نبدأ من حيث انتهينا في الجزء السابق..
...
انفجر المكان بضحكات عالية، وتعالت صيحات التشجيع وصفّارات الحماس بين العمال، في حين أطلقت بعض النساء زغاريد مبهجة أضفت على الطاحونة أجواءً صاخبة مفعمة بالفرح. احمرّ وجه سيلين خجلًا شديدًا، فسارعت بتغطية وجهها بكفّيها، فازدادت ضحكات الموجودين وصيحاتهم.
وفي تلك اللحظة، أشار أحد العمال إليها صارخًا:
العامل (بحماس): لقد خجلت العروس!
ضحك جابر من أعماق قلبه، وعندما رأى خجلها الذي كاد يُخفيها عن الأنظار، مدّ يده برفق حتى يجذبها إلى أحضانه، يُخفيها عن الجميع، ثم رفع صوته حتى يسمعه الكل في وسط الضجيج:
جابر: اهدأوا أيها المشاغبون! أنتم تزيدون ارتباك العروس... يا صغيرتي، والله ستكونين أجمل عروس في الدنيا، فقط انتظري ذلك «الحمار» حتى يعود!
وبدل أن تُسكت كلماته الجميع، فجّرت موجة ضحك أشد من سابقتها. ارتفعت التصفيقات والصفّارات الحادة، وتعالت الزغاريد من النساء. ازداد وجهها احمرارًا، وغطّت وجهها أكثر، وهي تلعن أريان في سرّها على كل هذا الموقف. ثم انتزعت نفسها من ذراعي جابر الحنونتين، أمسكت بسلتها بقوة، وهرعت إلى الداخل بخطى سريعة، تحاول الهرب من نظراتهم وضحكاتهم التي لاحقتها بمحبّة ومزاح صاخب.
وصلت سيلين أخيرًا إلى وسط الطاحونة، حيث اختلط صوت الماء مع ضجيج الآلات وحركة العمال النشيطة، وسط ازدحام الناس بين صفّ الذين ينتظرون دورهم وصفّ الذين أنهوا معاملاتهم.
اجتمع عدد من العمال لمساعدة رجل يقف في مقدّمة الصف على تنزيل أكياس الحبوب الثقيلة التي أحضرها في عربته، إذ كانوا يكدّسونها بعناية قرب طاولة خشبية عتيقة، خلفها يجلس عبدون، ذلك العجوز الذي تجاوز الخامسة والسبعين من عمره، وجهه مشحون بخطوط الزمن، بينما تخفي عيناه خلف نظارات سميكة.
راح يعدّ الأكياس بتؤدة ورفق، واحدًا تلو الآخر، وعندما انتهى، استند بكفّيه إلى الطاولة، فهرع إليه أحد العمال ليُعينه على الجلوس مجدّدًا. فتح دفتره الطويل بعناية، وبدأ يُسجّل بدقة، ثم أعلن بصوته العميق:
عبدون: مئة وستة وخمسون!
ابتسم الرجل له بابتسامة مليئة بالمودّة، واستخرج بعناية المال الذي أعدّه مسبقًا، فالجميع على دراية بنظام عبدون المالي الدقيق. سلّمه المبلغ برفق، فدوّن العجوز القيمة في دفتره بتركيز، ووقّع على الورقة قبل أن يُسلّمه الفاتورة.
ثم فتح الصندوق الصغير، ووضع النقود داخله بانسيابية، وأشار إلى العمال الذين انطلقوا بسرعة لنقل الأكياس إلى داخل الطاحونة. ارتاح عبدون في كرسيه الخشبي القديم، زافرًا تنهيدة ثقيلة، ثم رفع يديه المرتعشتين يُعدّل نظارته، يلتقط لحظة من السكون وسط صخب الطاحونة.
وفي تلك اللحظة وقعت عيناه على سيلين، فتبدّد تعبه فجأة، وأشرق وجهه كطفل مبتهج، وارتفع صوته الجهوري بحماس صادق:
عبدون: ملاكي!
اندفعت نحوه بخفة، وضعت سلتها بعناية على الطاولة، ثم انحنت تُطوّق عنقه بذراعيها، تعانقه بحرارة غامرة. ضمّها بقوة، يحتضنها كمن يضمّ قطعة من قلبه.
عبدون (بصوت مملوء بالحب): نورتِ الطاحونة يا بنيّتي... كيف حالك اليوم؟
سيلين (بابتسامة مشرقة): أنا بخير يا جدي... أحضرتُ لك السلة، أمي أعدّتها لك بحب كبير.
عبدون (يربت على ظهرها بحنان أبوي صافٍ): بارك الله فيكما يا نور العين.
تبادلا نظرات دافئة تشبه الدعاء الصامت، ثم ابتعدت عنه برفق، وأفرغت ما في السلة على الطاولة.
في تلك الأثناء، اقترب منهم جابر، وهو يحمل بين يديه خبزًا ساخنًا. وضعه قرب السلة، ثم انحنى قليلًا حتى يحمل الرجل العجوز بين ذراعيه القويتين، في حين تولّى عاملان رفع الطاولة وأخذها إلى ركن الطاحونة المعتاد.
وما إن اعتدل جابر واقفًا حتى التفت إلى ابنه يناديه بحزم أبوي دافئ:
جابر: هيا يا فارس، تولَّ الأمر.
ثم نظر إلى سيلين، وصوته يلين معها:
جابر (بحنان): أسرعي يا صغيرتي، لا بد أنك جائعة.
أومأت برأسها موافقة، ولوّحت لهما بيدها في ودّ، ثم استدارت تغادر الطاحونة بخطى خفيفة، وابتسامة دافئة ترتسم على وجهها، كأنّها تحمل معها دعاءهم ودفء قلوبهم إلى البيت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.