خالد زايري وفيلم «موغا يوشكاد»: السينما في خدمة الذاكرة الأمازيغية

يُعد الفن السينمائي أحد أبرز الفنون التعبيرية في العصر الحديث، لأنه يتجاوز حدود اللغة المكتوبة ليجمع بين الصورة الحية، الصوت المتعدد الطبقات، والحركة الديناميكية في تجربة حسية شاملة تصل إلى نفسية المشاهد وفكره بعمق.

هذا الفن الفريد يتجلى في ثنائيته الأساسية بين الفيلم الروائي الذي يبني عوالم خيالية من خلال حبكة درامية مُصنعة، ممثلين محترفين، إضاءة مصممة، ومؤثرات بصرية لإثارة تعاطفٍ فوري وانغماسٍ وجداني، والفيلم الوثائقي الذي يوثق الواقع عبر لقطات ميدانية حقيقية، مقابلات عفوية، وأرشيف تاريخي لتحفيز تفكير نقدي ووعي اجتماعي مستدام.

السينما بين الروائي والوثائقي كأداة تعبيرية متعددة المستويات

تتفاوت مستويات التعبير في السينما من الحسي (إثارة الخوف أو الضحك عبر الإيقاع البصري) إلى العاطفي (الغوص في الصراعات النفسية) والفكري (التحليل الرمزي للقضايا الاجتماعية)، مع ثنائيات جوهرية في بنية السرد (خطي درامي خيالي مقابل مرن موضوعي واقعي)، والتقنيات (مونتاج إيقاعي سريع مقابل تسلسل تحليلي بطيء)، والتفاعل مع المشاهد (انفعال عابر مقابل تأمل دائم يُحرك الضمير).

هذه الديناميكية تجعل السينما جسرًا للوصول الشامل إلى الجمهور، ويرتفع الفيلم الوثائقي كأداة حاسمة لتوثيق التاريخ والتغيير الاجتماعي، خاصة في السينما المغربية التي تستلهم الواقع اليومي لتعزيز الذاكرة الجماعية ومواجهة النسيان.

في هذا السياق، يأتي «موغا يوشكاد» للمخرج المغربي خالد زايري كنموذج حي، يُجسد قوة الوثائقي في استرجاع الذاكرة الأمازيغية المهجورة.

خالد زايري و«موغا يوشكاد»: مناجم الذاكرة وبصمات الصمود الأمازيغي

في أعماق مناجم الفحم الشمالية الفرنسية، فيما يتراكم الغبار الأسود في رئتي الشباب المغاربة كرمزٍ لاستمرارية الاستغلال، يقف المخرج خالد زايري حارسًا للذاكرة الجماعية، مستخدِمًا السينما الوثائقية كسلاح لإحياء التاريخ الممحى.

ينسج في «موغا يوشكاد» (مورا هنا/نحن هنا، بمساجين الأصلية) الصمت المؤلم مع إيقاعات الأحيدوس التقليدية، ليسترجع قصة فيليكس مورا – الرقيب الفرنسي الذي حول أجساد الفقراء الأمازيغ إلى «ماشية» عاملة ويحولها إلى صرخة صمود تربط ماضي سوس بالهجرات المعاصرة لعام 2026.

هذه الوثيقة الحية، التي أُنتِجت عام 2023 وعُرِضت تجاريًا في المغرب نوفمبر 2024، تتجاوز السرد الخطي الدرامي لتفكك استمرارية الاستغلال الاستعماري عبر الجسد والعمل والذاكرة، مُركزةً على دور مورا في تجنيد نحو 60,000 شاب أمازيغي فقير من سوس الكبير (1950–1980) تحت اتفاقيات ما بعد الاستقلال بين المغرب وشركة Houillères du Nord-Pas-de-Calais الفرنسية.

هذا النهج الوثائقي النقي يعكس مرتكزاته الأساسية بدقة: لقطات ميدانية حقيقية من الريف المغربي، مقابلات عفوية مع الناجين، أرشيف نادر من صور الفحوصات الطبية المهينة، وصوت أصلي يحافظ على لهجة تشلحيت دون تدخل ترجمة مباشرة، ليصل إلى المشاهد عبر تفاعل نقدي يُحفز الوعي الاجتماعي والثقافي بدلاً من الانغماس العاطفي السطحي الذي يوفره الفيلم الروائي.

موغا يوشكاد: وثيقة تمزج الشهادات الشفوية الأمازيغية

الناجون يحيون الذاكرة المهجورة: من الشهادات إلى الرموز الثقافية

يربط زايري ببراعة بين عهد الحماية الفرنسية (1912–1956) وما تلاه من اتفاقيات استعمارية غير مباشرة (1957 فصاعدًا)، عبر شهادات الناجين الذين يحولون التاريخ المجرد إلى تجربة حسية حية: زهرة من سوس تبدأ القصة بتمزق الأسر، طفلة تنتظر أباها سنوات طويلة في قرية مهجورة؛ حميد أوكاتو يكشف سرقة الكرامة في فحوصات العُري الكامل والتلمس المهين الذي شبهه بـ«بيع الجسد كالحيوان»؛ إحدى الناشطات تضيف الصوت النسوي للمنتظرات، رابطة العاطفة الخاصة بالإنسانية الجماعية.

هؤلاء العمال الشفاقون من سوس الكبير (تارودانت، تازناخت، أكادير، ورزازات) كانوا الهدف الأمثل للهجرة المبرمجة منذ 1957، بسبب فقرهم المدقع (بطالة تصل 70% في الستينيات) وقوتهم الجسدية تحت الأرض، فقد جند مورا شخصيًا 12,000 (1960–1980)، واعدًا إياهم بـ«فرنسا الجنة» مقابل 300 درهم شهريًا فقط، ليُجَردهم لاحقًا في خيام مؤقتة مثل الماشية قبل إرسالهم إلى الجحيم الأسود.

عاد منهم 40% فقط سالمين بدنياً، تاركين عائلات تعتمد على التحويلات المالية الضئيلة، لكن دورهم الأمازيغي يتحول في الفيلم -عبر إيقاعات التزرزات والأحيدوس- إلى رمز إصرار ثقافي يُقاوم النسيان.

تفاعل المشاهد وهوية الصمود

هذه الثنائية بين التصوير الطبيعي الخام (كاميرا يدوية ترتجف مع الريح في الجبال) والسرد المرن التحليلي تُحقق تفاعلًا فكريًا عميقًا، يجعل المشاهد يتنفس غبار المناجم ويُعيد التفكير في جذور الهوية الأمازيغية الممزقة بين الفقر والاستغلال.

مورا: وجه السلطة المقنعة والأسلوب السينمائي الوثائقي

مقدم عبر أرشيف مصور نادر بزيه العسكري الرسمي، مورا ليس مجرد شيطان فردي، بل رمزٌ لنظام استعماري يستمر في أشكال معاصرة، ويُخَصص عنوان الفيلم التحدي الوجودي: «مورا هنا» في لحظة التجنيد المهين، «نحن هنا» للناجين اليوم في 2026، صرخة تتحدى النسيان المنظم.

يُعزز هذا الأسلوب السينمائي الهادئ والمدروس إضاءة طبيعية قاسية تحول تجاعيد وجه زهرة إلى خريطة جغرافية سوسية حية، مونتاج بطيء ينتقل بسلاسة من وجه مورا الجامد إلى عيني أوكاتو الدامعتين، وصمتٌ مدروس مصحوب بصوت تنفس ثقيل يحاكي صوت الغبار في رئتي العمال – مرتكزاتٍ للوثائقي أصيلة في التعبير المباشر عن الواقع، مقابل التقنيات الدرامية المصنعة في الفيلم الروائي مثل الموسيقى التصويرية المبالغ فيها أو الزوايا الإخراجية المثالية.

هذا الاختيار يُحولُ الفيلمَ إلى تجربةٍ حسيةٍ غامرة، فيتحول المشاهدُ إلى شاهدٍ مباشر، لا متفرجٍ سلبي.

الموسيقى والشعرية: صوت تشلحيت كنبرة الذاكرة الشفوية

تشكل الموسيقى عماد الفيلم بأكمله، مستمدة بالكامل من التراث الأمازيغي دون تدخل غربي، إذ تتحول الأحيدوس – الإيقاع الجماعي التقليدي – إلى نبض المناجم الثقيل (إيقاع 4/4 أساسي يتسارع تدريجيًا مع ذكريات الفحم والانهيارات)، في حين أن التزرزات كنبرة حزينة فردية تربط الطبيعة الجبلية بالغربة والفقدان العاطفي.

أمثلة شعرية مُدمَجة بعناية تجسد الفراق والصمود: «حبيبي كالوادي يروي ثم يجف» (رمز الانتظار الجاف في قرى سوس)، «فراق الحبيب، الرجل في الغربة الباردة» (فقدان الدفء العائلي والعاطفي)، «المهاجر كالريح يأتي فارغًا ويغادر مكسورًا» (التغيير من وعد الجنة إلى خيبة الجحيم).

هذه التنظيمات الشعرية لا تُرافق المشاهد فحسب، بل تُعيد إنتاج الذاكرة الشفوية الأمازيغية كجسر صوتي بين رئتي المناجم المنهكة ورئتي المشاهد الحديث، ويترددُ صداها في هجرات 2026 كتراث يقاوم العولمة والنسيان الثقافي.

بصمة الفيلم الوثائقي ومقارناته: نحو سينما الفقراء

يتميز «موغا يوشكاد» كوثيقة وثائقية رائدة ببصمته الفريدة في مزج الشهادات الشفوية الأمازيغية (بتشلحيت الأصلية دون ترجمة مباشرة لتعزيز إحساس الغربة اللغوية والثقافية) مع أرشيف استعماري نادر (صور فحوصات مورا المهينة ووثائق التجنيد الرسمية)، مطورًا الفيلم إلى «متحف حي متنفس» يعيد إحياء 60,000 قصة فردية منسية داخل إطار جماعي.

يستمد تفوقه من تحويل السرد المرن الموضوعي – بعيدًا عن الخطية الدرامية الروائية التي تركز على التشويق العاطفي إلى تجربة حسية مباشرة تعتمد لقطات حقيقية طويلة، أصواتًا أصلية غير معدلة، ومونتاجًا تحليليًا يربط بين الماضي والحاضر، وهو ما يولد تفاعلًا نقديًا اجتماعيًا عميقًا يجعل المشاهد يتنفس الغبار الأسود ويُعيد قراءة جذور الهوية الأمازيغية كقوة صمود لا ضحية.

ومقارنةً بأعمال سابقة مثل «المهاجرون» لعبد الرحمن المازيدي الذي ركز على الجانب الاجتماعي العام، يتفوق زايري بإدماج التراث الثقافي العميق كمحور صوتي وبصري الأحيدوس كـ«سيمفونية تحت الأرض» تُغطي 70% من الصوتيات، والتزرزات كشعرية الفقدان، محولًا الضحايا من أرقام إلى أبطال يتردد صداهم في هجرات 2026، ومُعززًا بذلك «سينما الفقراء» كنقداد يُطلِقونها، فيما يصبح الفيلم جسرًا بين الجسد المنهك والإرث الثقافي الحي، بعيدًا عن الترفيه الروائي السطحي.

تأكيد عالمي وصرخة الذاكرة: من الجوائز إلى التأثير الاجتماعي

حقَّق الفيلم نجاحًا عالميًا بجائزة «أطلس» في مهرجان مراكش (2024)، الجائزة الكبرى في وزان، إشادة نقدية من الجزيرة ومنصة Labocine الدولية، وعرض مميز في FESPACO الإفريقي (2025)، مُبرزًا دلالاته كمرآة للهوية الأمازيغية المغربية الحديثة، ليصبح الناجون رموز صمود يُسائلون عدالة الهجرات المعاصرة.

يعود «موغا يوشكاد» إلى جذوره في أحشاء المناجم، فيما يفكك زايري الاستغلال كامتداد عضوي للاستعمار الفرنسي وتبعاته المُرة (الحماية 1912–1956، اتفاقيات 1957، فحوصات مورا المهينة)، مُعيدًا الكرامة بصريًا وسمعيًا.

مشاهدة الفيلم: الذاكرة تتكلم

مشاهدة الفيلم بحد ذاتها تجيب على تساؤلاتنا: ففي تجاعيد زهرة تُقرأ تاريخ سوس كاملاً، وفي صمت حميد أوكاتو يُسمَع سرقة الكرامة، وفي تزرزات إحدى النشطات تُرى استمرارية الانتظار من 1960 إلى 2026.

الأحيدوس تنبض برئتي المناجم، والصمت المدرُوس يُحيِي 60,000 قصة محوت. هذا ليس فيلمًا عاديًا، بل وثيقة كرامة تطرح الحقيقة القاسية: الغبار الأسود لم ينتهِ، بل تراكم في رئتي مهاجري اليوم. زايري لا يُروِي تاريخًا جافًّا، بل يُعيد بناء هوية ممزقة، يُحول الضحايا إلى حراس ذاكرة، والاستغلال إلى صرخة جماعية تُجبِرنا على مواجهة عدالة 2026. «موغا يوشكاد» ليس خيارًا – بل مرآة كرامتكم التي تجلي بصمة زايري، هذا المخرج الذي لا يشفي الجراح فحسب، بل يُعيد صياغة التاريخ بأيدي ناجي سوس الأمازيغية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

خالد زايري وفيلم «موغا يوشكاد»: السينما في خدمة الذاكرة الأمازيغية، في سياق تعيد فيه السينما المغربية اكتشاف ذاكرتها التاريخية والثقافية، يبرز فيلم «موغا يوشكاد» الوثائقي للمخرج خالد زايري كعمل رائد يسترجع معاناة عمال المناجم المغاربة الأمازيغ في فرنسا.
يأتي هذا الفيلم ليضيء على فصل مظلم من تاريخ الهجرة المبرمجة، محولاً الشاشة إلى أداة للحفاظ على الذاكرة الجماعية لأبناء سوس والأمازيغ بشكل خاص.
موضوع الفيلم يروي «موغا يوشكاد» (أي "موغا هنا" بالأمازيغية) قصة آلاف الشباب المغاربة، معظمهم من الأمازيغ، الذين تجندهم السلطات الفرنسية برئاسة الرقيب فيليكس موغا خلال فترة الحماية للعمل في مناجم الفحم الشمالية بين 1950 و1980.
يعتمد على شهادات الناجين ليكشف الظروف اللا إنسانية، العنصرية، والاستغلال الذي عانوه بعيداً عن أسرهم، مع التركيز على البعد الثقافي والإنساني الأمازيغي.
مدة الفيلم 87 دقيقة، إنتاج 2023، وبدأ عرضه في دور السينما المغربية في 13 نوفمبر 2024.
إنجازاته ودعمه حصد الفيلم جوائز عديدة تعكس قيمته الفنية والتاريخية:الجائزة الكبرى وجائزة البحث في مهرجان الناظور الدولي (دورة 14).
جائزة أفضل مونتاج في مهرجان موسكو الدولي للوثائقيات (دوكر 2024).
جائزة لجنة التحكيم في المهرجان الوطني بطنجة (دورة 24)
الجائزة الكبرى في أيام وزان السينمائية (دورة 2).
تم إنتاجه بشراكة مع 2M، المركز السينمائي المغربي، صندوق الصورة الفرنكوفوني، ومجلس الجالية المغربية بالخارج.
خالد زايري والذاكرة الأمازيغيةحاصل على ماجستير في السينما من السوربون، استغرق زايري أكثر من 5 سنوات في البحث والإنتاج، مستلهماً قصصاً شخصية من عمال المناجم.
يجعل الفيلم السينما أداة لإعادة الكرامة لهؤلاء "المنسيين"، محافظاً على التراث الأمازيغي في وجه الاستعمار الاقتصادي والنسيان.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.