خاطرة "يوم من الطفولة عالق في الذاكرة".. خاطرة وجدانية

مع بداية كل عام دارسي تأخذني الذاكرة إلى الماضي البعيد، أتذكر ذلك اليوم الأول الذي مشيت فيه إلى المدرسة، هذه الذكرى التي كلما تقدَّم بي العمر كادت ملامحها تُمحى، وأحداثها، لكن ما إن يبدأ العام الدراسي وألمح الأطفال يثورون بحب وحماس فرحة بالمدارس، حتى تنشط الذاكرة إلى أن تعيدني إلى ذلك الخريف الطفولي.

 في ذلك اليوم استيقظت باكرًا أتفقد حقيبتي المدرسية خوفًا من أن تُسرَق محتوياتها التافهة، فيطمئن قلبي بعدما أجدها بكل محتوياتها، من قلم الرصاص ودفتر أوراقه ناصعة البياض كنوايا الأطفال ليس فيها أي سوء، وأربعة كتب مدرسية، وقارورة الماء، هذا كل ما تحتوي عليه حقيبتي.

التي حملتها بثقلها على ظهري بعدما ارتديت ملابسي وصففت شعر رأسي وتناولت فطوري، وعزمت بعدها على مغادرة بيتنا للمرة الأولى دون أن يرافقني والدي، وبينما كنت على بُعد خطوات من الباب، فإذا بصوت أمي -رحمها الله- يستوقفني، نظرت إليها فإذا في يدها كيس وضعت فيه قطعة خبز، وتقول: «الله على الطالب حقي، العجل قد ما كان ما بيمشي بلا ما يأخذ عوافه».

فأقول: «آه كدت أنسى وجبتي المدرسية».

وبعدها أواصل المشي قليلًا قاصدًا بيت صديقي حسين الذي لم يكن بعيدًا، فإذا بحسين ينتظرني أمام بيته. ثم يضع أحدنا يده على كتف الآخر ونمشي، وفي تلك الأيام كان حسين قد سبقني بصفٍّ دراسي لكنه يبقى صديقي الأقرب.

وعلى مشارف القرية القريبة كنا ننتظر الأصدقاء من أطفال القرية، فإذا اكتمل عددنا مشينا في سرب واحد، حتى إذا توارت ملامح القرية خلفنا وظهرت أمامنا ملامح المدرسة، قلت حينها لصديقي حسين: «أووه.. انظر المدرسة حقنا كبيرة».

فيرد عليَّ: «أيوه هي كبيرة، لكن يخلونا ندرس في المقبرة تحت الشجر».

كنت أظنه يكذب، فأنا لم أستوعب بعد كيف ندرس تحت الشجر والمدرسة كبيرة بهذا الحجم! 

كنا نواصل السير حتى يحلَّ بنا التعب، فنصل إلى المدرسة بعد جهد، وتُعانقنا ساحة المدرسة مع بدء طابور الصباح، وكان بعض المدرسين يتجولون يراقبون أداء الطلاب لتمارين اللياقة ويساوون الصفوف الاثني عشر في استقامة واحدة.

وكنا نؤدي بعض التمارين الرياضية الخفيفة وبعدها نقدِّم فقرات الإذاعة المدرسية التي لا يتغير فيها شيء سوى مَن يؤدونها، وبعدما نكمل تلك الفقرات ونختمها بالنشيد الوطني يتوجه الطلاب بخطوات منتظمة صوب فصولهم، ونبقى نحن طلاب الابتدائية في ثلاثة صفوف متجاورين، لا نعلم إلى أي اتجاه نتجه، حتى يجيء ثلاثة مدرسين وكل مدرس دليل لصف.

فيُشير مدرس الصف الثالث إلى طلابه بالتوقف وسط الساحة تحديدًا عند شجرة الكافور، وأما نحن طلاب الصف الأول والثاني فنخرج إلى خارج مبنى المدرسة خلف مدرسينا وينتهي بنا المطاف تحت شجرتين وسط المقبرة المجاورة للمدرسة، وكانت كل شجرة تدعى بصفها، شجرة الصف الأول، وشجرة الصف الثاني!

وهكذا مرت مرحلتي الابتدائية، نقضي نصف الوقت في البحث عن ظلٍّ، والنصف الآخر في النعاس والنوم أو الصداع والبكاء من أثر أشعة الشمس والرياح العاتية. ورغم هذا فإن فهذه الشجرة لا تزال فصلًا دراسيًّا يتلقى الطلاب تحت ظلالها الدروس حتى الآن، رغم البرد والحر والضرب أيضًا، فلا يكمل الطلاب هذه المرحلة إلا وهم ذوو جلود قاسية من الحر، وقلوب متحجرة من البرد، وعقول بليدة من الدرس والضرب.

وهكذا، جيل بعد جيل نتلقى التعليم مع عقاب ثلاثي الأبعاد، ولا أدري أي ذنب اقترفته هذه البلاد حتى تعاقبنا السماء بحرِّ شمسها، وتثير الأرض رياحها فتسد أفواهنا بالتراب، وحضرة المعلم بعصاه الخرزانة يجتث الورود ويقتل عبيرها ضربًا وهي بين أيدي الأبرياء!

لكن كان يملك بعضنا قليلًا من الحظ، فأنا وزملائي في ذلك العام خُفِّفت علينا العقوبة من ثلاثية الأقطاب إلى ثنائية فقط، حرارة الشمس وبرودة الطقس، وأما الثالثة التي كانت نقمة متسلطة على الصغار فغدت يومها نعمة نحيا في ترفها وسلوها تحت رعاية كريمٍ يُدعى الأستاذ: عبد الله الحمادي، فكان مربيًا ومعلمًا حاذقًا وخبيرًا في جذب انتباه الطلاب.

وإن كانت البيئة غير مؤهلة كهذا الجحيم الذي كنا ندرس فيه، لكنه رغم هذا تغلَّب عليها مستعينًا بأساليب تربوية حديثة، بأدوات بسيطة كالأوراق الكرتونية، يقصها فيشكل منها الحروف الأبجدية والأرقام الأولية ويُزينها بألوان جذابة فتنجذب إليها عقول الأطفال بتركيز وانتباه ويفهموا الدرس ويعوه حرفًا حرفًا، ويقرأ عليهم قصة حينا ويسرد لهم حكاية في حين، وفي كل حين يجعلنا نعيش تفاصيلها ومجمل حذافيرها.

 وبعدها علمت لماذا قال أحدهم «مَن علمني حرفًا كنت له عبدًا»، لكنه لم يُعلمني حرفًا واحدًا إنما علمني الحروف شكلًا ونطقنًا ونقشًا، وأن أكون لمقامه عبدًا فهذا والله ليس عدلًا وإنما ظلم له وتقليل من شأنه. وكل ذلك الحب والاحترام الذي قد تُهديه إياه وتظن أنه يليق به، لا يكفي، بل هو قليل أمام كل ما علمنا إياه. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
ديسمبر 9, 2023, 1:03 م - عايدة عمار فرحات
ديسمبر 9, 2023, 12:59 م - صفاء السماء
ديسمبر 9, 2023, 12:27 م - سلمى العمري محمد
ديسمبر 9, 2023, 11:08 ص - بورغاية رابح
ديسمبر 9, 2023, 10:46 ص - سلمى العمري محمد
ديسمبر 9, 2023, 9:14 ص - ليلى أحمد حسن مقبول
ديسمبر 9, 2023, 9:02 ص - آية محمد صادق
ديسمبر 8, 2023, 11:38 ص - نور الدين شعبو
ديسمبر 7, 2023, 11:33 ص - حبيبه شريف
ديسمبر 7, 2023, 9:03 ص - رايا بهاء الدين البيك
ديسمبر 6, 2023, 7:11 ص - لجين منير شاكر
ديسمبر 6, 2023, 5:39 ص - شيماء دربالي
ديسمبر 4, 2023, 12:50 م - عبدالله مصطفى المساوى
ديسمبر 4, 2023, 9:30 ص - ليلى أحمد حسن مقبول
ديسمبر 4, 2023, 7:21 ص - عبدالله مصطفى المساوى
ديسمبر 2, 2023, 3:30 م - قدوه نمر الشعار
ديسمبر 2, 2023, 8:20 ص - سندس إبراهيم أحمد
ديسمبر 2, 2023, 7:52 ص - نور الدين شعبو
نوفمبر 30, 2023, 11:37 ص - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 29, 2023, 2:41 م - يغمور امازيغ
نوفمبر 29, 2023, 8:24 ص - غزلان نعناع
نوفمبر 28, 2023, 7:06 ص - أسماء مداني
نوفمبر 27, 2023, 2:42 م - براءة عمر
نوفمبر 27, 2023, 1:17 م - عزوز فوزية
نوفمبر 27, 2023, 11:52 ص - سيرين غازي بدير
نوفمبر 27, 2023, 6:34 ص - بشرى حسن الاحمد
نوفمبر 26, 2023, 2:58 م - رولا حسن ابو رميشان
نوفمبر 26, 2023, 2:24 م - إبراهيم محمد عبد الجليل
نوفمبر 26, 2023, 10:15 ص - ايه احمد عبدالله
نوفمبر 26, 2023, 9:51 ص - ليلى أحمد حسن مقبول
نوفمبر 26, 2023, 9:27 ص - رولا حسن ابو رميشان
نوفمبر 26, 2023, 8:03 ص - رولا حسن ابو رميشان
نوفمبر 26, 2023, 7:52 ص - رولا حسن ابو رميشان
نوفمبر 26, 2023, 7:35 ص - رولا حسن ابو رميشان
نوفمبر 26, 2023, 7:01 ص - محمد بخات
نوفمبر 26, 2023, 6:32 ص - رولا حسن ابو رميشان
نوفمبر 23, 2023, 12:46 م - رانيا بسام ابوكويك
نوفمبر 23, 2023, 10:41 ص - سفيان صابر الشاوش
نوفمبر 23, 2023, 8:28 ص - احمد عزت عبد الحميد محيى الدين
نوفمبر 23, 2023, 7:26 ص - سفيان صابر الشاوش
نوفمبر 22, 2023, 2:20 م - محمد سمير سيد علي
نوفمبر 22, 2023, 2:00 م - عبدالخالق كلاليب
نوفمبر 22, 2023, 6:45 ص - محمد بخات
نوفمبر 21, 2023, 8:51 ص - مدبولي ماهر مدبولي
نوفمبر 20, 2023, 7:41 ص - هاجر فايز سعيد
نوفمبر 19, 2023, 1:27 م - يغمور امازيغ
نوفمبر 19, 2023, 1:07 م - محمد بخات
نوفمبر 19, 2023, 12:07 م - أسرار الدحان
نوفمبر 19, 2023, 11:06 ص - محمد محمد صالح عجيلي
نوفمبر 19, 2023, 10:03 ص - فاطمة محمد على
نوفمبر 19, 2023, 7:49 ص - شاكر علي احمد عبدالجبار
نوفمبر 18, 2023, 11:36 ص - سفيان صابر الشاوش
نوفمبر 18, 2023, 10:56 ص - سفيان صابر الشاوش
نوفمبر 18, 2023, 8:09 ص - شيماء عبد الشافي عبد الحميد
نوفمبر 17, 2023, 6:13 ص - يغمور امازيغ
نوفمبر 16, 2023, 8:30 ص - محمد محمد صالح عجيلي
نوفمبر 15, 2023, 6:01 م - كامش الهام
نوفمبر 15, 2023, 2:57 م - فاطمة حكمت حسن
نوفمبر 15, 2023, 12:21 م - ساره محمود
نوفمبر 15, 2023, 11:00 ص - يغمور امازيغ
نوفمبر 15, 2023, 9:50 ص - ميساء محمد ديب وهبة
نبذة عن الكاتب