كانون الثاني عام ألفين وعشرين
بدأ الأمر يتفاقم حتى زاد انتشار الوباء واجتاح العالم بأسره، هذا الأمر جعل الرعب يدب في قلوب الكثير من الناس، وبدأوا باتخاذ احتياطاتهم خوفًا من الإصابة بالعدوى، أغلقوا منازلهم ومنعت الزيارات، كنا في حيرة من أمرنا، فكيف لفيروس ضئيل الحجم لا يرى بالعين المجردة أن يفتعل كل المشاكل؟
فقد بدأ يلهو هذا الفيروس الصغير في العالم كله دون النظر إلى غني أو فقير، أبيض وأسود، عالمًا كان أو جاهل، جعل يقلبهم في كفة واحدة، جعلنا نلتزم منازلنا ونحتمي بالكمامات والمعقمات..
أذكر أول مشهد رأيته عندما بدأ الوباء بالانتشار، كنا نذهب إلى العمل، كنتُ كعادتي أنتظر الطلاب عند مدخل المدرسة أُرحب بهم بابتسامة؛ لكنها في ذلك اليوم سرعان ما تبخَّرت عندما رأيت الأطفال ينزلون من الحافلة وجميعهم يرتدون الكمامات.
كان مشهداً سيئًا بالنسبة لي، شعرتُ وكأنني في مشفى مليء بالأوبئة، كان شعورًا مخيفًا ومزعجًا، الإحساس بالخوف من مجهول أمر في غاية السوء، فكأنك تهرب من لا شيء في حين أنه موجود، ولكنك لا تشعر به، وقد يصيبك في أي لحظة، حتى وصفه في ذات الصعوبة..
أرغمني الوباء على ترك عملي الذي كنتُ أحبه كثيراً، إنني أفتقد الطلبة الصغار، أفتقد حماسهم للدارسة، وحبهم لي وأسئلتهم الطفولية، أفتقد سبورتي ومكتبي، ومقابض الأبواب التي التصقت بها خيوط العناكب المتطفلة، المقاعد التي أصبحت مهجورة الآن وخالية من ألوان المرح التي يترك أثرها الأطفال الصغار قبل مغادرتهم المكان..
من أسوأ الأمور التي قد حصلت في شهر آذار خلال سنة تفشي الفيروس أن المساجد أغلقت، كانت فاجعة بالنسبة لنا، فأنا أقطن في منزل يحافظ أفراده على أداء الصلاة في المسجد دومًا..
كان سماع الأذان شيئاً مقدساً ولا يزل كذلك، لكن إضافة "صلوا في بيوتكم" إلى كلماته كان شيئاً مؤلمًا حقاً، كنتُ أشعر أنه عقاب على هجرنا لبيوت الله، أتممت الثالثة والعشرين من عمري ولم يحدث أن تغيرت كلماته، أو تمت إضافة شيء لها إلا في زمن الكورونا، فهو ليس زمانًا كباقي الأزمنة، عندما تشتد عليك الحياة وتزداد مصاعبها وقباحة أيامها حاول أن تجد مخرجًا لينقذك من الضياع فيها..
وهذا ما فعلته مع عائلتي، حاولنا ألا نستسلم، فيستبدل السيئ بالجيد، ونكسب صلاة الجماعة معًا في منزلنا، هكذا أنقذنا أنفسنا، فهذا الطقس الإيماني بثَّ في أرواحنا كمية هائلة من الراحة والسلام الداخلي.
اقرأ أيضاً
- دور الأهداف الاستراتيجية في نجاح المؤسسات
- ما هو الترميز الطبي وما أهميته؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.