أنا خائف.. إذن أنا أحتضر.
بضع همسات من الخوف.. قد تكون وافية لجعلك تستفيق من غفوتك، وتركض نحو مرادك، وتكون كافية لك أيضًا في جعلك تكتم أنفاسك حتى تختنق.
قد نحمل بداخلنا حقائق كثيرة.. نرنو للبوح بها طوال الوقت، لكن وفي جُزء من الثانية التي نُفكر بها بأننا قد نتكلم أخيرًا ونُخرجها إلى النور.. نصمت ونتخذ الصمت درعًا متينًا يقينا الشكوك، أو لأن بقلوبنا جملاً كثيرة لا يسع لشخصٍ واحد أن يُرتب كلماتها.. أو لأكون أكثر دقة، لا يوجد من يُرتبها لك كي يُساعدك في فهم مشاعرك التي تشعر في كُل ليلة أنها ملك لشخصٍ آخر، وعندما تتخذ الخطوةُ الأولى في تدارك أمرك دون اللجوء لأحدهم.. تجد أن أكثر المشاعر وضوحًا بين دواخلك هو الخوف.
الخوف غير المُبرر لهُ تجاه كُل شيء، الخوف من الفشل، وعدم البلوغ لسقف توقعاتك العالي المُلامس للغيوم، الخوف من التمني لأن لا يزال بداخلك شعور يجعلك تعتقد أن الشيء الخير الذي تتمنى لن ينال حيزًا من الواقع كما تظن.
الخوف من الاجتهاد في شأنٍ ما، أنت على يقين بكونك لم تنل بعدهُ جزاءً يليقُ بك، الخوف من الغد، ومن كُل ما هو مجهول، وذا ضبابٍ كثيف يُخفي معالمه.
الخوف من الحُب الذي تتخلله الطُعنات الغادرة في اللحظة نفسها، التي تُولي بها ظهرك لمن منحته مشاعرك، وقد حسبت يومًا أنهُ مَن سيُكمل معك الطريق.
الخوف من البحث عن السعادة؛ لأنك تخشى التغيير وأنت قد اعتدت في ليالٍ طوال أن يُقاسم وحدتك الحُزن.
الخوف من البُعد عن أحبة قد يتركوك أو القُرب منهم كي لا يجرحوك.
الخوف من اقتراب موعد النوم؛ لأنك على علم بكونك على موعد مع أفكارك، التي لن تتركك حتى تنل مما بقي من صمودك، بعد هذا اليوم الطويل المُلبد بالخوف.
عندما تدق الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، ويأخذنا يوم جديد بين دقائقه، قد تمر علينا دقائق من التفاؤل، ودقائق من القلق، وأيضًا دقائق من الخوف. الخوف من الأصوات الكثيرة التي بداخلنا، والتي ما تلبث أن نستيقظ من نومنا تشرع في الصُّراخ، وتوقظ بعقولنا ذكرى ما عادت تُثير بنا سوى الندم واليأس.
الخوف من هذا الشخص الذي يتوارى داخلك بين حكايات الماضي الوعرة والذكريات الدفينة، هذا الشخص الذي يلومك طوال الوقت على أشياءٍ قد لا تكون لك يدٌ بها.. لكنه ينتصر.
الخوف من الأحلام الوردية التي نُخطط لها في عقولنا كل يوم على ضوء الشموع، والتي نتخلى عنها حالما نتذكر حقيقة أن الواقع لن يسمح لها بأن تأخذ حصةٌ منه.
كم يتغذى الخوف على مشاعرنا وأحلامنا وآمالنا، وأعمارنا أيضًا، فمتوسط عُمر المرء يتراوح بين ستين إلى سبعين عامًا على سبيل المثال.
وتُهدر تلك الأعوام الطويلة فيما بين عشر سنوات في طفولةٍ ولهو، وأيامٍ نحياها بين السذاجة والبراءة الزائدة، وعشر سنواتٍ أخرى تمضي بين النوم والقلق واليأس، وعشرون عامًا بين العمل ومواجهة المُجتمع بكل ما به من مظاهر، وعشر سنواتٍ أخرى تكون ضمن الوقت الضائع من مرضٍ وسفر، وما بقي من العُمر يُبذل في الخوف والارتياب.
وهنيئاً لمن ردَّ طلقات الخوف التي كانت على وشك الفتك بأحلامه نحو النجاح؛ ليُحقق تلك الأحلام التي كانت على وشك الموت، وعلى الرغم من كون الخوف شبحًا يُطارد الإنسان منذ نعومة أظافره.. إلا أن التغلب عليه يتدرج في قائمة أهم الإنجازات التي قد يُتمها الإنسان في حياته بأكملها، وما دام لم يتركهُ يًدمر ما بقي من الإنجازات الحافلة.. فهذا بحد ذاته نجاح.
ومؤكد أنك الآن شعرت بشيءٍ داخلك يهتز جراء ما قرأته.. قد يكون خوفًا من الحقيقة التي لن تستطيع أن تُغيرها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.