خاطرة "وماذا بعد؟".. خواطر اجتماعية

الحب من أرق المشاعر التي يفرضها الواقع الفطري والغريزة الوجدانية بين الجنسين، يختلف في تركيبته وظروفه والمقدمات التي تؤدي إليه عن مشاعر الفرح والحزن والغضب، إلخ.

فالحب شئنا أم أبينا شعور وجداني يخرج بالطرفين من عالم الواقع لعالم الخيال، يشعران فيه وكأن الله تعالى لم يخلق غيرهما على وجه الأرض، فالعاشق في هذا العالم السحري يشعر أنه يعيش في صحراء لا يوجد بها إلا عشيقه فقط، عيناه لا تريان غيره وأذنيه لا تسمعان إلا صوته، وقلبه لا يخفق إلا بوجوده، وأحاسيسه لا تتحرك إلا بالنسمات التي تخرج من أنفاسه.

وحتى يصل المحب إلى درجة العشق ، يعترض طريقه ثلاثة مطبات، فالطريق بالفعل شاق ومحفوف بالمخاطر، وأي تعثر في غالب الأحيان يكون تأثيره قويًّا ومباشرًا على النفس البشرية، وإن اختلف التأثير من شخص لآخر، وحسب الجنس بين الرجل والمرأة، فالمرأة في غالب الأحيان تكون أكثر تأثرًا وتشعر وكأن حياتها انتهت عند هذا التعثر، حتى تساعدها الأيام وتجعلها تؤمن بأن الحياة مستمرة ولن تقف عند أي شخص مهما كانت درجة محبته في قلبها.

المطب الأول يبدأ مباشرة لحظة تبادل النظرات بين الطرفين، والتي تعطي إشارة للقلب لكي يخفق بسرعة شديدة ويستعد ليفتح أبوابه لدخول السعادة والانبهار بالطرف الآخر ، فالمحب في هذه المرحلة كون شعوره بالمظاهر الخارجية وأسلوب كلام منمق معظمه مصطنع في البداية، وطبعًا كل طرف في هذه المرحلة يغفل عيوب الطرف الآخر.

وبدون أن يشعر الطرفان، يدخلان معًا نفق المطب الثاني، باكتشاف كل طرف طباع وأخلاق وسوك الطرف الآخر، ويضع كل طرف يديه على مميزات وعيوب من خفق له قلبه، وهنا يبدأ صراع نفسي رهيب بين الكفتين، وإن كان الطرفان يأملان للمميزات أن تكون الكفة الأرجح، ويحاول كل طرف إقناع نفسه بالتغاضي عن عيوب الطرف الآخر وكأنها لم تكن ويحاول التعود عليها.

ويستمر هذا الصراع حتى تنتصر كفة المميزات، ليصلا معًا للمطب الأصعب، الذي يبدأ بسؤال، وماذا بعد؟ فقد انتهى كل طرف من دراسة الطرف الآخر ووقف على عيوبه ومميزاته، واستطاع أن يتكيف مع العيوب ويعدها شيئًا عارضًا لا يقف حائلًا أمام مستقبل هذا الحب، الحب الذي وصل هنا لمحطة العشق بينهما.

سؤال بالفعل قاسٍ عليهما مرهق لقلبيهما، مجرد التفكير فيه يخرجهما من عالم الخيال، الذي يغلفه النظرات الساحرة وفرحة القلوب وكلام يعطره الإحساس برائحة زهرة الياسمين، لعالم الواقع ليطاردهما السؤال نفسه ليل نهار، وماذا بعد؟ سؤال عدو للعشاق كلهم يعدونه كابوسًا مزعجًا، يتعمدان التهرب من الإجابة عنه ، فهما في حلم جميل يتمنيان معه ألا يستيقظا من النوم أبدًا، حتى لا يطاردهما كابوس الإجابة عن هذا السؤال، فإجابته بالفعل قاسية عليهما، تطعن حبهما بخنجر الفراق دون أن تمحى آثاره الموجعة داخل القلوب.

وبالطبع يختلف هذا الحب عن الحب الذي يأتي بعد زواج الصالونات، ففي هذه الحالة لا مجال لوجود سؤال وماذا بعد؟ فقد قفز الطرفان معًا حاجز المطبات الثلاث ووصلا إلى المبتغى أولًا، وعبرا القيود الاقتصادية وعدم التكافؤ واختلاف الطباع من مميزات وعيوب، لذلك كشفت معظم الإحصائيات المتعلقة بهذا الأمر أن الحب الذي يحتل القلب عقب الزواج يتفوق بمراحل عن الذي يأتي في مرحلة المراهقة والشباب، ويكفي أنه لا يحتاج إلى الإجابة عن سؤال.. وماذا بعد؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة