خاطرة "وعدت إلى زمن الوحدة".. خواطر وجدانية

أعتذرُ إليك يا "ملا".. بل أتضرع طلبًا للغفران 

كرمٌ أنت فاق المعقول.. كم أغدقتني بالحنان!

رأيتني أشكو الوحدة منزويًا، كالشيء المهمل..

منطويًا أبكي أشواقي، وبقايا أمل يتضاءل..

حنوت عليَّ وحضنتني، نظرتَ إليَّ بعين العطف..

أشجاك صوت أنيني، وأنساك الكم ومعنى الكيف..

فملت إليّ من دون عنوان.. سبحت فيَّ بحُرية.. ملأتني حتى الارتواء..

ففاضت أثوابي عليَّ.. تغنَّت نشوة أطياري.. تداخل ليلي بنهاري..

لعلّك أملت بوفاء بسكناك العمر دياري.. "ياما" ما أشقاك أشقاني..

أمسيت بجبّك مغرورًا أتباهى... بماذا؟ لا أدري! 

كم كنت سفيهًا غرّا إذا تهت عليك يا أملي..

وصبرت ونصحتني.. 

ولكني اشتقت لسهدي والأوهام تمنيني..

بسكّيني قطعت وريدي فسكن الشدو..

وعمَّ الصمت وعدتُ إلى زمن الوحدة.. 

وخواء يسكنني كالموت..

كان هذا آخر ما كتبه وختم رسالته بقوله: (سلام إلى عينيك، سلام الأشرعة إلى المواني البعيدة).

فأنا الأمنية، وأنت الاستحالة يا إشراقة ضوء وإطلالة النهار.. سلام إلى عينيك، ثم وضع رسالتك في صندوق البريد بعد أن كتب عليها العنوان، وختمها بقبلة من فاهٍ مملوء بحرارة الفقد والشوق.. يتمنى النسيان.

كان يعلم أنها لربما تمر يومًا بجانب صندوق البريد، ربما تفتحه فتجد الرسالة، ومرت هي بجانب الصندوق، وفي أحد الأيام فتحته، فسقطت منه الرسالة، انحنت بعدم اكتراث ولا مبالاة، قرأت اسمه على الخطاب، فتنهدت بتململٍ وبيأسٍ لا متناهٍ، لكنها قررت في نهاية المطاف بعد صراع مع رغبة في داخلها أو رغبتان تتصارعان، إحداهما ترفض وتستنكر وتشجب وتتراجع وتكره، والأخرى تلح وتترجى وتطلب منها الإقدام والإقبال.

فحسمت هي الخلاف بينهما، وأخذت القرار بحسم وبحزم، قررت فتح الرسالة، وقرأت هذه الكلمات، إنه يعتذر منها أو يحاول استرضاءها..

حارت في خطابه بعد أن أنهت القراءة، لكنها كانت تعلم ما يريده تحديدًا، هي تفهمه جيدًا، ربما لأنها تملك شخصية حساسة ذات شفافية عالية، تستطيع من خلالها أن تدرك دواخل الأشياء، وتستشعر بواطن الأمور.

كان لديها نوع من الشفافية، وتكت بمرارة عجيبة، ونزلت قطرات دموعها لتغرق الخطاب، الذي تفتت من أمطار دموعها بين يديها أو كاد..

قد يقول قائل: "إنها تبكي متأثرة به، أو مشتاقة له، أو لأنها تصدق كلماته، أو أنها ربما تريده، أو تريد أن تكون بقربه". لكن لا شيء من هذا يدور بخلدها، ولم يكن هذا سبب بكائها، بل إنها كانت تبكي؛ لأنها تعلم أنه لا يريد أن يحرم من كلماتها وحنانها، إنها تعلم أنه يريد نفسه وكبرياءه وامتلاءه بالغرور، الذي اعتاده في كلماتها، إنه على كل حال يريد نفسه، لا يريدها، يريد أن يرى نفسه من خلالها.

كانت تعلم ذلك، وترضى به، وكأن كلاهما كان بحاجة إلى الآخر بشكل ما أو بآخر، لم يكن الاحتياج المعتاد الذي يحتاجه محب لحبيبه، أو رجل لامرأة، ربما كان هذا هو أميز، وفي ذات الوقت أغرب ما في علاقتهما أو فيما كان بينهما، من شكل غريب الأطوار لعلاقة أغرب من الخيال.

ربما ملَّ كلاهما من الشكل التقليدي، ربما خاف كلاهما من الآخر، أو خاف أن يكره الآخر، ربما.. لكن على كل حال كان يناسبها جدًا هذا النوع من العلاقات..

إنها على كل حال لم يهمها، أو لم يعد يهمها أن يكون يحبها أم يحب ذاته من خلالها، لقد كرهت الشكل التقليدي للعلاقات، بل ملَّته، بل إنها رفضته..

إنه في نظرها لم يكن سوى نوع من الهلاك، الجحيم، العذاب، الملل، الكراهية.. إنه كل ما قيل وكل ما يمكن أن يقال عن أي شيء كريه سلبي.. إنه الموت، الفناء في نظرها، ولذلك مالت وركنت إلى كونه ظل بعيدًا عنها، وأعدَّت ذلك ميِّزة كبيرة وشكلًا مختلفًا لصلتها به..

أحبته بكل ما فيه، بعيوبه، وبظلاله الثقيلة، بسوء طباعه، بكل ما فيه.. وكذلك هو تغاضى عن كل شيء، وتجاهل كل شيء؛ لأنه رأى بها الشيء الذي يختلف عن كل شيء.. تعلَّق بكلماتها، بأسلوبها، وإحساسها بنفسه من خلالها، ومن خلال كلماتها كان يرى في كلماتها حاجزًا زجاجيًّا أو مرآة يرى بها نفسه.

ويرى العالم من خلال كلماتها، كانت كلماتها سلوة وعزاء له عن الكثير، وكذلك كانت ترى كلماتها له، انتظارها له، تعليقه، موقفه، رأيه، ربما رأت في ذلك سلوى لها عن حياة رتيبة خالية من كل تشويق ومن أي شغف، لكنها على كل حال حياة آمنة خالية من القيود الثقيلة والجحيم والعذاب، الذي طالما روجت هي تحته لعدة سنوات، فقبلت هي تلك الحياة، وأخبرتها بما فيها، ولكن أعياها فقدان الشغف..

أعيتها رتابة الحياة، قتلها الروتين، شعرتْ أن كل دقيقة في عمرها محبوسة داخل جدران حريتها.. فلم تعبأ بما ينتويه لها، ولم تهتم بما يفكر فيه نحوها، حتى أتى ذلك اليوم وانفجرت المرآة.. وتكسّر الزجاج في وجه كليهما.. فترك شرخًا كبيرًا، وابتعد كلاهما عن الآخر..

إنهما كانا بعيدين من الأساس على كل حال، لكن كانت علاقة بعيدة من وراء حجاب تصول وتجول، تروح وتجيء بين كلاهما، كالحرب الصامتة أو كالأخرس الذي لا يجيد الكلام.

إن ما بينهما كان غريب الأطوار، لكنه وعلى كل حال كان يسرّي عنهما بعض الشيء، كان يخفف قسوة الحياة، شيء ما كان عزاء لكلاهما..

عند الكثير أحيانًا يكون أجمل ما في الشيء أنه بعيد المنال، وأحيانًا أخرى أو في الأغلب نحن نُغرم بالتفاحة وهي فوق الشجرة، ثم ما نلبث أن نملّ منها، ونكرهها عندما تسقط في يدنا، بل ربما كنا نراها جميلة ونضرة ومتألقة ومغرية وهي بعيدة، وما إن تسقط في اليد حتى نراها عن قرب عادية وذابلة وغير نضرة ولا شهية كما كنَّا نراها..

ما أجمل الأشياء وهي بعيدة! وما أروعها وهي تلمع لنا في الأعلى! ولا نكاد نراها من بعيد حتى يذهب سنا ضوؤها الذي نراه، أو هكذا نتصوَّر، ثم ما يلبث كل هذا أن يختفي بعد أن تقترب منا الأشياء.. ما أجمل الحلم وهو بعيد.. وهو خيال..

جمال وما أجمل الوهم حين يغرينا ببريقه وشفقه! وما أبشع حين يقترب منا كاشفًا عن أنياب الحقيقة المُرة! بارزة مخالبه التي يتشيها في قلب ذاك الحلم، وقلب ذاك الوهم البعيد الجميل..

كم كان جميلًا وهو بعيد! الأشياء أجمل من على بعد.. أجمل من فوق، لكن عندما نقترب تكون شيئًا آخر، هذا ما فكَّرتْ به هي، وهذا ما قامت عليه تلك العلاقة.

إن كلاهما لم يرد لنفسه أن يخسر الآخر، وكأن في قربهما الهلاك لما بينهما، فلا بد أن يكون هذا الشيء الغامض من بعيد.. هذا الرابط العجيب من فوق كالتفاحة فوق الشجرة، كان لا بد أن يحافظ كلاهما على هذا الشيء ليبقى ويعيش وينبض وهو بعيد.

كان لا بد لجنين الحب هذا، أن ينمو ويكبر ويستدفئ بالبعد، وبتلك العلاقة، حفاظًا على حياة هذا الجنين، الذي لن يكتب له اللقاء، ولن تكتب له الحياة إلا في ظل هذه الشروط وهذه الظروف وإلا.. وإلا مات.. قتل قبل أن يحيا، ومات قبل أن يعيش، وقبل أن يولد، وانتهى قبل أن يبدأ..

ربما أن أحدًا منهما قد خالف الشروط، أو حاول أن يقترب.. آهٍ لو أدركنا أننا لو حاولنا لمس النجوم لاحترقنا فورًا، لا بد أن كلاهما كان يعلم هذا جيدًا، لكن ما الخطأ الذي حصل؟ لكن، وبصرف النظر قد فكرتْ هي في الحل، إن كلاهما بحاجة إلى وجود الآخر في حياته، وبصرف النظر عن الأسباب والمسببات، وبصرف النظر عن أي شيء آخر، لا بد من مراعاة الشروط، والشرط الأول وأهم شرط هو الحرص على البعد.. الحرص على أن تكون العلاقة بينهما غير مباشرة.. أن كلًا منهما يخالط الآخر.. يعتذر للآخر.. يُحب الآخر.. يدلِّل الآخر.. يعطف على الآخر.. لكن من دون أن يكلم الآخر.. من دون أن يتواصل مع الآخر، بل من دون أن يباشر الآخر، أو حتى يعترف له، لكن كلاهما يعلم ما يفعل بسببه الآخر..

هذا هو أهم شرط ولا بد.. ولا بد من الالتزام به، إن موت ما بينهما حتمًا سيكون لو اخترق هذا الشرط، فلو أُخِلّ ونقض هذا الشرط سيكون كل منهما كمن قطع يده بسكِّينه، وبنفسه ذبح نفسه؛ لأنه خالف الشرط، ثم فكّرت وقرّرت ببعث خطاب، وتقذف به هي الأخرى في صندوق البريد، فلو رآه ومر صدفة بجانب الصندوق، فربما شعر بوجود الخطاب، فيفتح الصندوق، ويخرجه، ويفتحه، قالت له:

هيا بنا لنبدأ من جديد، ولن نلعب هذه اللعبة معًا.. وكانت تعلم أنه سيقول لها ما يقول، كانت تقرأ أفكاره، وتعلم ما يريد قوله، وكأنه أمامها، فكتبت له هذا الحوار:

هيا لنلعب معًا هذه اللعبة..

هو: عن أي لعبة تتحدثين؟

هي: اللعبة التي بيننا.

هو: وهل ما بيننا لعبة أم لهو؟

هي: فلنكن واقعيين.. نعم، وكلمة لعبة ليست عيبًا، وليس معناها أن فينا من هو لعوب أو غادر.. لا، بل معناه أنه يوجد احتياج لكلانا لدى الآخر، ومهما كان نوع الاحتياج هو ليس حبًّا، ولكنه احتياج، كل من يحتاج إلى الآخر لسبب ما.. لشيء ما، يحتاج إلى وجوده الآخر في حياته، لكن بشرط من بعيد، أقصد بشكل غير مباشر..

هو: ماذا تقصدين؟ وضِّحي

هي: بصراحة أنت تريد الكلمات، تريد كلماتي، تريد أسلوبي، تريد حناني، تريد شعوري وإحساسي، تريد أن تمتلئ مني، من كلماتي، من شعوري وإحساسي بك، الذي يغذّيك كان غذاء لك من الدَّاخل، وأنا أريد وجود شيء أجد به الشغف في حياتي، أجد ما يميزها وما يعطيها البريق، أجد فيه ما يبعدني عن الخواء الذي يسكنني، الذي هو أشبه بالموت، يبعدني عن وحشة مخيفة ومريبة تأكلني من الداخل، تنقذني من هذا الصقيع، الذي تتراكم ثلوجه فوق صدري، الذي مزقتني ثلوجه، ولكن بشرط! شرطي هو أن تظل بعيدًا بعيدًا.. فأنا أحب المستحيل، والمستحيل يلهب أشواقي، يلهب حاستي، ككاتبة وأديبة، يشعل ذاكرتي، ويشعل مشاعري ورغبتي في الكتابة.

أنا كاتبة أريد أن أكتب، ولن أكون سوى ذلك، فلا تحرص أنت على ذلك البعد؛ لأن في الكلام عن بعد، والحب عن بعد، والغناء عن بعد، والشعور عن بعد، وفي كل هذا البعد.. هو حياة ما بيننا، ولكن في القرب كل شيء يموت وسيموت لو اقتربنا..

هو: قال لها بغضب ودهشة، لماذا؟ أنا لا أفهمك! لماذا القرب يميت ما بيننا؟ لماذا لو اقتربنا يحترق كل ما بيننا ويموت وسينتهي إلى الأبد؟

هي: لأن في القرب الهلاك؛ فالأشياء جميلة وهي بعيدة، أنا مثلًا لا أراك ولا أشاهدك، أتدري لماذا؟ كي تظل في خيالي كما أنت، وتظل الذكرى كما هي، كي لا أكرهك، كي لا أصطدم بك..

أريد أن أراك من بعيد فقط دقائق معدودة، لا أطيل كي لا أسمع ما يضايقني.. تفهم ما أعني كي لا أخسرك، ابتعد عن مشاهدة أو سماع.. تفهم ما أريد قوله.. فلا يخاطب كلا منا الآخر دون أن يخاطبه، وليحكي كلا منا للآخر دون أن يكلِّمه، يرى كلا منا الآخر دون أن يراه مباشرة..

فليكن البعد هو صديق دربنا، ورفيق ما بيننا، في البعد الأشياء كلها تبدو جميلة.. فلربما أنا لو اقتربت منك كرهتني.. مللتني.. لو كنت معك أو أمامك لما شُغلت بي..

لربما رأيت فيَّ ما لا يعجبك أو سمعت مني ما لا يرضيك، صدقني في البعد الأشياء كلها لها بريق وشغف، لكن هذا البريق وهذا الشغف سرعان ما ينطفئ ويخبو نوره في القرب، وكذلك أنت.. من المؤكد لو كنت أمامي أو كان ما بيننا تواصل بأي شكل أو طريقة لكنت كرهتك، أو كنت أراك أو أسمع أو أحادثك.. لوجدت منك حتمًا ما لا يرضيني، ما يدفعني إلى كراهيتك والنفور منك..

صدقني القرب عدو لكلانا، والبعد صديقنا الوفي، عدني.. عدني الآن أن ما بيننا سيظل بعيدًا بعيدًا دائمًا؛ ليظل البريق بيننا هكذا من على بُعدٍ.. لا ينطفئ أبدًا أبدًا.. كي لا يموت ما بيننا، عدني أن تظل بعيدًا بعيدًا..

عدني أن تخاطبني من بعيد كما تفعل، تُحدثني من بعيد كما فعلت، تُكلمني، تنظر إليَّ، تتنهد، تبتسم، تضحك، تبكي، حياة كاملة لكن بشرط من على بُعد.. وعلى نحو غير مباشر..

أجابها أو هكذا توقعت: (أجابها وهو يمسح دمعتين هبطتا بهدوء من عينيه أعدك أعدك.. أعدك..

ثم طوت الخطاب، وذهبت إلى صندوق البريد، ووضعت الخطاب به وهي تتساءل: "هل يا تُرَى سيقرأ هذا الخطاب؟ هل سيدرك معناه أم لا! هل سيصله؟ فلنترك الأيام لتجيب عن هذا السؤال".

الحياة ككاتبة وانا كإمرأة تحب الكتابة في الرابط نبذة https://www.youtube.com/watch?v=wzdLelRJD2s&t=3

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

الحياة ككاتبة وانا كإمرأة تحب الكتابة في الرابط نبذة https://www.youtube.com/watch?v=wzdLelRJD2s&t=3