خاطرة «هل أحتاج لتفريغ نفسي أم أتفرغ لنفسي؟».. خواطر أدبية

كتبت أكثر من عبارة تحت عنوان "التضاد في لغة الضاد" التي بدورها تطرح معاني جديدة.

فقد يبين علماء اللغة العربية أن من أغراض الطباق هو إبراز المعنى بالتضاد، ومن تلك العبارات التي كتبتها: (هل ينبع الدافع، من واقع التجربة، أم من تجربة الواقع؟)، (سيطرة الفكرة تظهر، عندما تسيطر الفكرة على المظهر)، (في البداية أعلنت انسحابي، ثم سحبت إعلاني)، (كي تخلق الوفاق، توافق مع الأخلاق).

وبينما كنت أفكر في موضوع التفريغ النفسي نشبت عبارة "أتفرغ لنفسي" لتفتح معها أبوابًا من التأملات. فالوعاء الذي تتسرب له المياه من منافذ عدة نتيجة للضغوط المتنوعة الناتجة عن الصعوبات التي تواجه أي شخص، فهل من الأولى تفريغ الوعاء مرة تلو مرة، أم سَدُّ منافذ التسرب؟ فبدلًا من تنفيذ مواقف عدّة، وتوفير مواد ومستلزمات كثيرة مكلفة لتنفيذ النشاطات التي تعمل بمنزلة المسكنات المؤقتة التي لم تعد تجدي نفعًا لكثرة التدفقات المتزايدة، نعمل على تعزيز المناعة النفسية التي تقوي جدار الصدمات التي تعصف بالنفس فور هبوبها.

اقرأ أيضًا: خاطرة "أنا والنَّاس وهواهم".. خواطر أدبية

فكلما حاولنا تجنب المورد أصبنا عين الصواب. ولكن الصدمات التي لا مفر منها، نجعل تأثيرها أقل ضررًا بفعل تقوية سُمك الجدار، فيجب أن نفرد مساحة للأفكار التي تعزز المناعة بعد عمل مسح للاحتياجات، ومعرفة الواقع العام للمجموعة المستهدفة، وإعداد الأنشطة وفقًا لذلك.

لو أخذنا مثالًا وهو "المزاج" الذي يعكِّر صفو التفكير من أول حدث يعترض الشخص صباحًا، أو ما زالت آثاره عالقة من أحداث سابقة، وبدأنا نفكر جدِّيًّا كيف نعمل على عدم تعكر المزاج حتى يقضي الشخص يومه بنفسية صافية، وينجز عمله على أكمل وجه.

يمكننا أن نخوض في عالم التشخيص الذي يجعل صورة الأمور المعنوية واضحة. فالقرآن الكريم يشخِّص لنا صورًا كثيرة يسهل علينا فهمها، فالآية الكريمة {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح...} تقرِّب لنا المعنى، ويمكن أن نشخص المزاج بزجاجة فيها ماء يحتوي بعض الشوائب الراكدة، وكلما رججنا العلبة تعكَّر صفو المزاج.

اقرأ أيضًا: "تأملات صباحية".. خواطر أدبية

ومن هنا أمامنا ثلاثة خيارات:

أولًا: عدم رج الزجاجة، ثانيًا: وضع حاجز فوق الشوائب لكي لا تنتشر، ثالثًا: العمل على التخلص من الشوائب.

فثباتنا فور أي حدث بمنزلة عدم رج العلبة، وبقاء الشوائب راكدة، ما يجعلنا نتصرف بطريقة صحيحة، وعدم وجود ردة أفعال خاطئة تفاقم المشكلة ذاتها. والثبات يتأتى من إيماننا بالقضاء والقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وفهمنا العميق لقوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم}.

ومن ربط الأحداث السابقة بمستجدات الأمور التي تُرسِّخ في قلوبنا اليقين والإخلاص، والمداومة على التحكم بردة فعلنا مع تنوع المواقف والأحداث المتعددة تتأسس بداخلنا خبرة لحسن التصرف؛ ما يجعلنا نضع حاجزًا منيعًا يحول دون طفو الشوائب، وتكدير مزاجنا، وكلما عملنا على اكتساب مزيد من الخبرات سنضرب في العمق؛ ما يساعدنا في تفريغ الشوائب الراكدة ليصبح وعاء الفكر صافيًا، لا تؤثر فينا الأحداث العابرة، ولا تحرفنا عن مسارنا الرياح العاتية، نتفرغ لأنفسنا، ولا نحتاج للتفريغ النفسي. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة