الإنسان عندما يصل لمرحلة النضج العقلي، يبدأ في اختيار الوسيلة التي يتعامل بها مع الآخر، وتتشكل طبيعته وشخصيته وفقًا للمواقف التي يتعرض لها والصعاب التي تواجهه، ولا نغفل هنا الظروف الاجتماعية والبيئة المحيطة وتأثيرها في سلوكه الأخلاقي وطريقة تعامله مع الآخرين..
ولكل إنسان تجربته الاجتماعية والسلوكية بما تحمله من نجاحات وإخفاقات وسعادة وحزن وراحة وتعب، فهي الحياة المتقلبة دائمًا، وأصعب ما في تلك التجربة التعامل مع الآخر بنظرية " ناس وناس " فكل إنسان تفرضه عليك ظروف الحياة للتعامل معه، له صفات وسلوك خاصة به، ولك أن تختار إما التعامل معه بطريقتك أنت وحينها يقع الخلاف، أو بالطريقة التي يريدها هو بما تحمله من نفاق وكذب.
وكل من وصل قطار عمره للعقد الرابع، سيجد نفسه أمام أصعب اختبار يتعرض له في حياته؛ فالسلوك العام وطباع البشر أصابها تغير كامل مثلها مثل التغير المناخي الذي أرق كل دول العالم، فالناس ممن كنت تتعامل معهم منذ عشرين عامًا مثلًا تختلف اختلافًا جذريًا عمن تتعامل معهم هذه الأيام، حتى المشاعر نفسها تبدل حالها وأصبحت أكثر جمودًا بأحاسيس مزيفة..
الحب على سبيل المثال كان يميزه الصمت يعتمد على دقات القلوب ونظرات العيون ويكفي المحب رؤيته لحبيبته أو حتى المرور أمام منزلها دون أن يراها، حب عفيف يحركه الوجدان، ينظر إلى القلوب والمشاعر الصادقة التي تجعل المحب يتمنى السعادة لمحبوبته، حتى ولو حكم عليه قاضي النصيب أن ترتمي بين أحضان غيره، أما الآن فالحب معظمه شهواني سيطرت عليه الغريزة الحيوانية، لا يمس القلوب بقدر ما يبحث عن أمور بعيدة كل البعد عن المشاعر والأحاسيس النبيلة، ونتيجته كوكتيل من أغاني الفراق والخيانة "واللى باعك بيعه وغدًا سأنتقم".
وبالنسبة للصداقة فحدث ولا حرج، فالماضي كان يسمح لنا بأن نعثر على صديق بما تحمله هذه الكلمة من معاني الصدق والثقة والإخوة، صداقة تخلصك من أي اكتئاب أو كبت فبجانبك من يحمل معك الهموم والحزن والآلام، ويكفي أنه يقاسمك أسرار شديدة الخصوصية لا طاقة لك أن تتحملها وحدك، أما في هذا العصر فيكفي أن أذكر لكم بعض الصفات المحددة عن معنى الصداقة، خد عندك مثلًا "الخيانة – حب الأنا – المصلحة – الحسد – النفسنة" الصداقة ظلت كلمة تتصدر معجم الحياة، حتى جاء الزمن وأزالها من كافة المعاجم دون رجعة.
التعاملات والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع قتلها عصر التكنولوجيا بخنجره المسموم، انظروا أين وصلت العلاقات الأسرية وصلة الأرحام التي انقطعت أوصالها، فلا تُدهش من أخت تحقد على أختها، وأخ يتخاصم مع أخيه، وابن يطرد والده أو والدته لإرضاء ست الحسن والجمال، حتى المناسبات تغيَّرت معالمها واختفت الطقوس الجميلة التي كانت تميزنا عن باقي شعوب العالم العربي والإسلامي.
نحن وصلنا يا سادة إلى عصر نحتاج لكل فرد نتعامل معه كتالوج خاص به، فتصعبت علينا الحياة، وأصبحت معقدة وأكثر مشقة، وحتى تهرب من هذا الجحيم، ما عليك إلا أن تتقوقع داخل نفسك، تحدثها، تعيش معها، تصاحبها، تحبها، وتشكو لها همومك وأحزانك، فعش لنفسك واترك الحياة لمن يستطع أن يتحمل تقلباتها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.