خاطرة "من ذلك الشخص؟".. خواطر وجدانية

الملل هو شعور عاطفي يتيح لك معرفة أنك تفعل شيئًا لا يمتعك عقليًّا ولا يمنحك إحساسًا بالرضا والتحدي.

وعادة يمكن أن يخبرك الملل بأمرين: الأول: أنك لست حاضرًا تمامًا في النشاط الذي تمارسه.

والثاني أن النشاط لا يحمل معنى أو أهمية بالنسبة لك. وهذا ما أشعر به حاليًا وبالتحديد، أنني لست حاضرًا تمامًا في أي نشاط أمارسه... فقررت أن أتصل بصديق لي "صديقي المفضل" أشرح له هذا الشعور لعله يزيله أو حتى يخففه، على مبدأ هذه المقولة "يتعافى المرء بأصدقائه" مع أنني أكاد أجزم أن هذه المقولة قد تكون صحيحة ولكن ليست مع صديقي أنا شخصيًا... سارعت بالاتصال على صديقي المفضل، وأجابني على الفور وقال: ماذا تريد؟

ضحكت من قلبي على رده وقلت له: هل تقصد أنني لا أتصل بك إلا عندما أريد منك شيئًا؟

أجاب أيضًا على الفور ودون تردد: نعم بالطبع، هذا ما أقصده، ماذا تريد؟

أخفيت ضحكتي عنه، حتى أظهر له أنني غضبت بسبب هذا الاتهام. سمعته يقول: كفاك ضحكًا وابتسامات، ما المطلوب؟ قلت له: أشعر بالملل... قال بصوت مذهول ممزوج بالسخرية "نعم!" 

قلت له بشكل صارم: أشعر بالملل.

قال: - أعرف هذا الشعور جيدًا... قلت له: وماذا كنت تشعر عندما شعرت به؟

قال: - الملل هو: شعور تشعر به عندما تشعر بأن شعورك يشعر بشعور لم يشعر شعورك بشعوره من قبل!

قلت له: أشعر أنني اتصلت بالرقم الخاطئ. قال بصوت يملؤه الحماس: - على العكس تمامًا، أنت اتصلت بالشخص المناسب، اسبقني إلى المقهى الذي أصبح بيتنا الثاني، ولا عليك من هذا الشعور، مجرد أن أجلس معك سيختفي هذا الشعور إطلاقًا وسيدب بك الحماس. قلت في نفسي: - حسنًا، وعلى رأي المثل "لاحق العيار على باب الدار"، وذهبت.

وما أن وصلت للمقهى، حتى كان المقهى يعج بالزوار من الرواد والمثقفين والشعراء، وبالناس وكأنهم كانوا في سجن وللتو خرجوا منه، وبأحاديثهم وأصواتهم تتشابك كأنها حرب الكلمات، وطرقات أصابعهم على طرف الطاولة، والشارع مكتظ بالناس وبائع الأزهار يقف هناك على الرصيف، فهم يلجؤون إليه في نهاية عملهم لشرب النرجيلة والترفيه عن أنفسهم مع الأصدقاء قبل العودة إلى منازلهم. فالمقهى هو مكان عام يجلس الناس فيه لشرب القهوة أو الشاي أو تدخين النارجيلة أو الشيشة وشرب العصائر والمشروبات الغازية أو تناول الحلويات، ويعدُّ بمثابة مجلس للشباب فيتجمعون ويتبادلون الأحاديث، أخذت أنظر هنا وهناك، باحثًا عن طاولتنا المشتركة التي دائمًا نجلس عليها أنا وصديقي ونتبادل عليها الأحاديث والضحكات.. وما أن وجدتها سارعت للذهاب إليها وجلست.

وسارعت على الفور أيضًا بالاتصال بصديقي وكانت إجابته كالمعتاد: شوارع المدينة مزدحمة جدًا يا صديقي العزيز، فوجب عليك الانتظار دمت سالمًا... جلست وطلبت فنجانًا من القهوة وأخذت أتصفح الجريدة، وفي حين أنا كذلك رأيتُ رجلًا كبيرًا بالسن بعض الشيء، يرتدي ملابس أنيقة، قوي البنية طويل العماد، حنطي اللون عليه علامات الصلاح وبه هيبة رهيبة.

جر الكرسي قائلًا: اسمح لي بمشاركتك هذه الجلسة؟

أقفلت الجريدة وقلت له: على الرحب والسعة.

ابتسم وأخذ يطلق نظرة هنا وهناك ثم أردف قائلًا: "الأصل في المقاهي هو أنها مكان للتواعد واللقاء بين الناس، إذ لم تكن وسائل الترفيه التي نعرفها اليوم موجودة، فكان المقهى هو مكان لقاء رجال المدينة. يجلسون ويتحادثون بالسياسة والثقافة، ويروحون عن أنفسهم بلعب طاولة الزهر والدومينو والشدة ". ويضيف: "في ساعات المساء، كان الناس يتجمعون حول الحكواتي الذي كان يجلس على مقعد طويل مرئي من قبل الجميع، ويقرأ قصص أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغيرها... الآن، لا يوجد حكواتي، لقد اختفى واُسْتُبْدِل بشاشات التلفزة الكبيرة".

ثم نظر إليَّ متسائلًا: أنت أين صاحبك أو صديقك؟! 

نظرت متسائلًا: ما هو الفرق؟

رد عليَّ مندهشًا: الفرق كبير ويوجد الكثير من المسميات للصداقة: الزميل: رفيقك في العمل.

الجليس: من يصحبك في مجلسك ويطيب الجلوس معه، كمثلي تمامًا وابتسم... 

السمير: من يحدثك ليلًا.

الصاحب: من يلازمك طوال اليوم.

الرفيق: من يصاحبك في سفرك. 

الصديق: من صدقك وصاحبك بود. 

الخل: من أسكنك قلبه بصدق. 

الأنيس: من أنس حضوره وأراح بالك.

النجي: من أسر في الحديث لك أسرار الحميم الجدير بالثقة، والذي تتشارك معه حياتك. 

الصفي: صديقك المخلص، الصفوة والمفضل.

القرين: من اقترنت روحك بروحه وقد يكون لكل صفة يوجد شخص، وقد يجتمعون كلهم في شخص واحد.

فسألته مستغربًا: ومن يكون ذلك الشخص؟ ! 

لم يجب، فقلت له ممازحًا: هل يمكنني الاستعانة بصديق؟ وسارعت بالاتصال، وكعادته المعتادة أجاب دون سؤال قائلًا: أنت تعتقد أن صديقك يمتلك طيارة خاصة به، أو أنك تريد بسبب شعورك بالملل أن تفقد صديقك للأبد وأنا أرجح ذلك. فأصبحنا نضحك أنا والرجل الكبير بالسن، قلت له: الموضوع ليس كذلك، وقصصت عليه القصة، فأجاب بكل غرور وثقة: قد تكون الزوجة. نظرت إلى الرجل متسائلًا، نظر إليَّ مبتسمًا وقال: نعم قد تكون.

فقلت لصديقي حوار بهجت ومرسى في مدرسة المشاغبين: "أنت بتزاكر من واري يا مرسي ولا إيه؟!"

وأصبحت أصوات ضحكاتنا تملأ المكان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة