مع ديوان مِهيار:
مهيار شاعر شِيعيّ يُطيل قصائده، وقد تنبهت إلى أنه يُكثر من النظم على وزن الرجز، وهو يحبّ البدويَّات، فهل البداوة أثرت في شعره فجعلته يستسيغ هذا الوزن المضطرب؟ وهو مع ذلك ينظم على البحور الأخرى. وتجنبَ حرفَ الذال فلم يجعله رَويًّا لقصيدةٍ أو مقطوعة.
وله كلمات متصاحبة، مثل الفعل "ضمّ" مع "بدائد"، قال:
(تَضُمُّكُمْ) حَنوَتُهُ وأنتمُ •• عِزُونَ في الآفاقِ أو (بَدائدُ)
وقال:
أم من (يَضُمُّ بدائدَ) الآمال لي •• ويُفَلُّ عني باسمه الإقتارُ
ويقترب من البيت الثاني قوله:
فقل لأميرِ هذا الحَيِّ عنّي: •• أيُـجمَعُ لي بكَ الأمَلُ البَديدُ؟
ولو شاء لقال:
أيُضمَمُ لي بك الأملُ البديدُ؟
ويُصاحبُ الزمان (أو الدهر أو اليوم والغد) الغدر وإخلاف الوعد وعدم إنجاز الأمانيّ. وكلمة "الغدر" كثيرًا ما وردت في شعره. قال:
وما الشَّيبُ أوّلَ (غَدرِ الزمانِ) •• بَلَى مِن عوائدِهِ العُوَّدِ
وكَمْ أتعلَّلُ عَيشَ السقيمِ •• أذمِّمُ (يومي) وأرجو (غدي)
لئن نامَ (دهري) دون (المُنَى) •• وأصبَحَ عن نَيلِها مُقعِدِي
وقال:
وإذا وَفَى لـ(مُنايَ) (يومٌ) حاضرٌ •• فأجارَ أسلمني (غَدٌ) (غدَّارُ)
أفصخرةٌ يا (دهرُ) هذا القلبُ أم •• هو للهموم الساريات قرارُ
وقال:
يرى بوَجهِ (اليومِ) صدرَ (غَدِهِ) •• تُعطيهِ ما في المَصدَرِ المَوارِدُ
وقال:
يَعضُدُ فيها العامُ ما قبلَهُ •• ويَفضلُ اليومَ أخوهُ غدا
وهو يحبُّ الفعل "بَرَدَ" بصيغِهِ المختلفة ومشتقاته، قال:
الآنَ إذ (بَرَدَ) السلوُّ ظَمائي •• وأصابَ بَعدَكُمُ الأساةُ دَوائي
وقال:
وماؤكمُ استشفيتُ زَمزَمَ بعدَهُ •• فما (بَرَدَتْ) لُوحي ولا رفدَتْ جُرحي
وقال:
أظمَى ورِيِّيْ في السؤالِ فلا يَفِي •• حَرُّ المَذلَّةِ لي (ببردِ) الماءِ
وقال:
وكان الصَّفحُ (أبردَ) في حَشاهُ •• إذا التهَبَتٔ مِنَ الحَنَقِ الكُبُودُ
وقال:
كرائمُ مِن دماءٍ (بارداتٍ) •• لديكم لا ديات ولا مُقيدُ
وقال:
إذا الوادي جَرَىٰ مِلْحًا أُجاجًا •• تَرَقرَقَ ماؤهُ العَذبُ (البَرودُ)
وقال:
وقد فَعَلَ اللهُ لكنَّني •• أرى كَبِدي بعدُ لَمْ (تَبرُدِ)
وقال:
أشرَقَني الشوقُ إليك ظامئًا •• بالعَذبِ مِن أحبابيَ (البِرادِ)
وقال:
وَسَلِّمْ على ماءٍ به (بَردُ) غُلَّتي •• وَظِلِّ أراكٍ كان للوصلِ مَوعِدِي
وقال:
مِن الضَّيِّقِي الأعذارِ والواسعي القِرَىٰ •• إذا ما "جُمادَىٰ" قال لليلةِ: (ابرُدي)
وقال:
أذلَلْتَ قلبيَ للأسَىٰ وتَرَكتَني •• (أتبرَّدُ) الزَّفَراتِ وَهْيَ حِرارُ
وقال:
يرى طِلابَ العِزِّ أو (بَردَهُ) •• في حَرِّ ما يَشرَبُ يومَ الجِلاد
كأنما حفظ جميع مشتقات هذا الجذر فلا يزال يأخذ منها.
ويُكرّر لفظة "أسرة" فقال:
والصاحبُ انتُزِعَتْ قَوادِمُ (أسرتي) •• منهُ وهِيضَ جَناحُها الطيَّارُ
وقال:
وخيرُ مَن شادَ الفَخارَ رافِعٌ •• (أسرَتُهُ) لِمَا بَنَىٰ قواعِدُ
وقال:
كانوا يَدِي ورِيحُهُم راكدةٌ •• (وأسرتي) والحظُّ عنهم عاصدُ
وقال:
وأنَّ الجارَ لا حَيٌّ عزيزٌ •• (بأسرته) ولا مَيْتٌ فقيدُ
وكثيرًا مَّا يقول "طالَ" و"طاوَلَ" و"تطاوَلَ". قال:
يَتطاولون ليبلغوكَ ولَم يَكُنْ •• لِيَضُمَّهُم وَعُلاكَ خَطُّ سواءِ
وقال:
وتطأطأت ذُلًّا فطالتْ ما اشتهتْ شرَفًا عليها يَعرُبٌ ونِـزارُ
(يعني بلاد فارس، ويصف أهلها بالأحرار شعوبيّةً منه، ويريد أن يقول إن موت الصاحب بن عبد الرحيم مقتولًا غدرًا كان حادثًا عظيمًا أذلَّ رقابَ الفُرس؛ لأنه ينتمي في الأصل إليهم. فمهيار يفخر بالعجم وقد كان الصاحب أحد العجم أصلًا، فهما لم يكونا عربيَّينِ خالِصَينِ).
ولقد بدأ قصيدتين من قصائده بداية مُعادة، فقال مرة:
أمِنها -على أنَّ المَزارَ بَعيدُ- •• خَيالٌ سَرَىٰ والساهرون هُجُودُ؟
وقال أخرى:
أمِن أسماءَ والمَسرَى بَعيدُ •• خيالٌ كلَّما بَخِلَتْ يَجودُ؟
وقد يحلو له أن يُكرِّر حرفًا في بيتٍ، فمن ذلك تكرار القاف في قوله:
وقام يَقودُها سُوقًا عِجافًا •• أعزُّ مِن القيامِ بها القُعودُ
وكرَّر القاف أيضًا في:
أنا مِن شِفارِ القاتليكَ مَتَى التَقَتْ مِن مُقلَتَيَّ مَعَ الكَرَى الأشفار
ومن لوازمه تعدية "ساءلَ" بمختلِفِ صيَغِها المُشتقَّة بحرف الباء الجارَّة بدلا من تعديته بـ"عن"، وهذا يُذكّر بقوله تعالى: "سألَ سائلٌ بعذابٍ واقعٍ" وقوله أيضًا: "الرحمن فاسأل به خبيرًا". قال:
هل سائلٌ بكَ بعدَها أو قائل؟ هيهاتَ! لا خبَرٌ ولا استخبارُ
وقال:
سائلْ بهذا الذَّوْدِ يرغو بَـكْـرُهُ في الحَيِّ: أينَ المُقرَمُ الهدَّارُ؟
وقال:
عجبتْ بي بين نادي قومها •• «أمُّ سعدٍ» فمضتْ تسألُ بي
•قُشَعريرة مِهيار:
ولفتني وأنا أقلِّبُ صفحاتِ ديوانِ مهيار الديلميّ استعمالُه للفعل "اقشعرَّ". فقال في رثائه للصاحب أبي القاسم:
وإذا اقشعرَّتْ أرضيَ استصرَختُهُ •• فإذا لُجَينٌ تُربُها ونُضارُ
وقال في موضع ثانٍ:
لا يُبعِدِ اللهُ الأُلَىٰ حَفِظَ العُلا •• بيتٌ لهم حول النجومِ مَشيدُ
وإذا اقشعرَّ العامُ أغدَقَ مِن نَدَىٰ أيديهم الوادي، ورَفَّ العُودُ
جاء في معجم اللسان: "القشعريرة: الرعدة.. والقشاعر: الخشن المس. [قال] الأزهري: اقشعرت الأرض من المحل. وفي حديث ڪعب: إن الأرض إذا لم ينزل عليها المطر اربدت واقشعرت، أي: تقبضت وتجمعت. وفي حديث عمر: قالت له هند لما ضرب أبا سفيان بالدرة: لرب يوم لو ضربته لاقشعر بطن مكة! فقال: أجل. واقشعر الجلد من الجرب. و[اقشعر] النبات إذا لم يصب ريا".
وجاء في حديث ماويّة امرأة حاتم الطائي عن زمان مُجدِب أصابهم: "أصابَتْنا سَنَةٌ اقشعرَّتْ لها الأرضُ، واغبرَّ أفقُ السماء".
وقال أيضًا:
تَنَافَرُ الأقلامُ عن أيمانِهم •• وَتَقْشَعِرُّ منهمُ الوَسَائدُ
وقال:
إذا قُمتُ أتلوها اقشعَرَّ كأنني •• تَلوتُ مزاميرًا بها ومَسابحا
ومِهيار قارئ متعمِّق في التراث العربيِّ، يقرأ ويَهضم، أي يفهم، ثم يأخذ مما قرأ، بتصرُّفٍ ذكيّ، لا يَسلبه تميُّز شخصيّته. فمِمّا أخَذَ قَولُ المتنبي:
وإذا أتَتْكَ مَذمَّتي مِن ناقِصٍ •• فهيَ الشَّهادةُ لي بأنِّيَ كامِلُ
إذ قال:
وصداقتي للفاضلين شَهادةٌ •• بالنقصِ ثابتةٌ على أعدائي
•قصيدة مهيار في رثاء الصاحب أبي القاسم الحسين بن عبد الرحيم:
أحبَّ مهيار الجناس الناقص، فقال:
أنا مِن شِفارِ القاتليكَ مَتَى التَقَتْ مِن مُقلَتَيَّ مَعَ الكَرَى الأشفارُ (١)
أي: إذا نِمتُ أو نعستُ فمعنى هذا أنني غير مكترثٍ بمَوتِك، وأن موتك ليس شيئًا مُهمًّا عندي، فلذلك أنا خائن مُعِينٌ لقاتليك إذا ذاقت عيني طعم النوم.
وقال:
أرى دَمي يَقطُرُ مِن أنمُلٍ •• شِفارُها مُؤقٌ وأشفارُ
أي أرى قطرات من دمي تنزل من أصابعِ قاتلٍ سلاحُهُ العيون والأهداب.
والشفر أصلا معناه منبت الشعر، ولكن قد يُستعمل بمعنى العين، وبمعنى الجفن، وبمعنى الهُدب، والأهداب هي شعر الجفون، ونُسميه في العاميّة: "الرموش". قال مُطرب: "رِمْش عينه إللي جَرَحني، رمش عينه".
بين "شِفار" و"أشفار" جناس ناقص.
والمُلاحظ أن البيت الأول كان ضمن المراثي، وأن البيت الثاني ضمن الغزَلِيَّات.
والشعراء العرب يُحبُّون هذا، وقريبٌ من هذا استعمال بعض الشعراء لفظتي "الظِباء" و"الظُّبا"، في بيت واحد. والظباء جمعُ ظبي، والظُّبا مفردها ظُبة، والظبة هي حَدّ السيف أو السهم.
وقد بدأ مهيار قصيدته في رثاء الصاحب أبي القاسم الحسين بن عبد الرحيم ببيت مصرَّع كعادة العرب. ووصفَ ممدوحه بالبحر، وبأنه ظِلّ ظليل، وبأنه يحمي أحبابه ويمنع مَن يحاول ظلمهم، وبأنه أسد، وبأنه جمل فحل. وكل هذا مأخوذ من الشعراء العرب. وقد نظر مهيار في بيت المتنبي:
أصخرة أنا؟ ما لي لا تُحرِّكُني •• هذي المُدامُ ولا هذي الأغاريدُ
فأخذ منه وقال:
أفصخرةٌ يا دهرُ هذا القلبُ أم •• هو للهمومِ السارياتِ قَرارُ؟
ونظر في بيت لبيد:
ذَهَبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهم •• وبَقيتُ في خَلْفٍ كخَلْفِ الأجرَبِ
فأخذ منه وقال:
وأكَلْتُ لا خَلَفٌ يَرُدُّ سَلامتي •• ذُلًّا ولا يَحمي حمايَ جوارُ
ذَهَبَ الذي كانت تُجاملني له الدنيا، وتَسقُطُ دُونيَ الأخطارُ
والمعنى: وأكَلتُ ذلًّا، لمَّا لم أجِد خَلَفًا بعدك يَردُّ سلامتي ولا جارًا يحميني. ويُلاحظ أن الشاعر هنا قال "أكلتُ ذلًّا"، ولم يَقل، كما يقال عادةً في هذا السياق: "وذُقتُ الذلَّ".
وقد وجدتُ مهيار يُناقض. قال:
لا خِفتُ بعدُ ولا رجوتُ وقد ثَوَى في التُّرب منه النافعُ الضرَّارُ
يا مُدرَجًا فردًا تُسدَّى فوقَه بالقاع أرديةُ الثرى وتُنارُ
حفروا الزُّبىٰ لك فارتديت وإنما سلطانُ ليث الغابة الإصحارُ
وقال أيضًا:
طرَحوا الفراتَ إلى الفرات فما درى مُلقوك أيهما له التيَّارُ
وتعاظموا أن يَقبُروك، ومَن رأى ليثًا يَخُطُّ له الثرى مِحفارُ؟
و" أبى العلا" ما كنتُ أعلم قبلها •• أن البحورَ قبورُهنَّ بِحارُ
فهل حفروا لأبي القاسم في التراب ودفنوه أم قيَّدوه ورَمَوا به في نهر الفرات؟
في القصيدة الأمرانِ معًا، فأبو القاسم "ثوى في التراب" وقد لبس "أردية منسوجة من الثرى"، و"الأعداء حفروا له ضريحه". ومع ذلك فقد رموه في الفرات، والشاعر لم يعلم قبل موت هذا الرجل أن البحار قبور لبعض الناس. وعلى كلّ حال، فالمرثيُّ قد قُتِلَ ولم يُعرَف موضع جثته، هذا ما أفهمه من هذا البيت:
مُلقًى وراءَ نسيَّةٍ ومَضلّةٍ •• تُخفي ضريحَكَ والقبورُ تُزارُ
ورائيّة مهيار هذه قد بلغت مئة وستة وثلاثين بيتًا، وقد نُسجَتْ نسجًا مُحكمًا ورُتِّبَتْ ترتيبًا خاصًا.
بدأ قصيدته متحدثًا عن أثرِ وفاة أبي القاسم في نفسه وفي حياته، ثم تحدث عن غرض المكيدة التي دُبرت للإطاحة بالقتيل، وأخذ يُؤكّد أن الغرض كان محض وهم وخطإ، ثم تحدث عن تلك اللحظة الدراميَّة المؤثرة التي لقيَ فيها أبو القاسم الطعنة وحيدًا أعزل، ثم تحدث عن أنصار أبي القاسم وبيَّن أنهم سكتوا عن الثأر ولكنهم عمّا قريب سيُدرِكونه. ثم تحدث في أبيات عن فضل أبي القاسم على الناس في وقت الشدة، وعمل موازنة بين المدتين: المدة التي كان يعيش فيه أبو القاسم، ومدة ما بعد الوفاة.
والملاحظ أن مهيار تكلم بصيغة الخطاب عن القتيل بعدما عبَّر عنه بضمير الغائب "ذَهَبَ الذي ..." فقال: "يا مدرجًا ... تخفي ضريحك ... أذللتَ قلبي ... وحطمتَ آمالي ... القاتليك ... بعدَك ... نبذوا عهودَك ... إلخ". ومعنى هذا أن الشاعر تذكَّر المرثيّ حتى شخص أمامه كطيف الخيال فصار يُحدّثه.
القصيدة طويلة جدًّا، كما ذكرتُ آنفًا، وقد ساعد على ذلك أن حرفَ رويّها الراءُ، وهذه الراء مضمومةٌ. وساعد أيضًا على ذلك أن الشاعر اختار بحر الكامل، وهو أحد البحور السمحة السهلة التي تتسع لعدد كبير من الأبيات لا يُحَدُّ.
الشاعرُ مُدرِكٌ لِما هو مُقدِمٌ عليه، إنها ملحمة، ولا بدَّ من وزن صافٍ عذب، وحرفٍ لا يدعو إليه التكلف والإغراب.
ولكي تكون الراء مضمومة في آخر الكلمة فلا بدَّ أن تكون في آخر فعل مُضارعٍ مرفوع مبنيّ للمعلوم أو للمجهول، مثل: يَغارُ، يُشارُ، يُمتارُ، تختارُ، تُزار، تُنارُ.
وأنهى بعض الأبيات بالفاعل فقال: الأنصار، الأستار، جِوارُ، الأخطار، الأعيار، الأشفار، الإمرار، الفرَّار، الأقطار، الأغمار، الأنصار، مِحفار، إسار، الأمهار، الأخبار، بِدار، الثار، المرَّار، المختار، فقار، التكرار، الجزار، الآثار، الدينار، عشار، الزُّوَّار، الأشعار، عُقار، المقدار، الأزرار، الأشجار، الأمطار، الأخبار، الإسفار، الأقمار، مِضمار، المِعسار.
وبنائب عن الفاعل، نحو: يُفلُّ الإقتار، يُبْلَلْ عِذارُ، يُلدَغُ المُشتارُ، تُرفَع الأوزار.
وبنعت لاسم مرفوع، نحو: طيبُ ثنائكَ السيَّارُ، القنا الخطار، بابها الصرار، عِرق الهُجنة النَّعَّار، مُخ رار، ... إلخ.
وبمعطوف على اسم مرفوع، نحو: جنة وصدار، الأعمال والأعمار، خيفة وحذار، اقتراحُك والإيثار، سلائطٌ وشَرارُ، العبقات والسمَّار، النشر والتذكار، كافل وطوار، تقارب ومزار، جراجرٌ وخُوارُ، فِلَقُ الصفيح والأحجارُ، حفيظة وذِمار، نصلٌ حائم وغرار، صوارم وشفار، ... إلخ.
وبخبر للمبتدإ، أو خبر "إنَّ" وأخواتها، نحو: إنكار، قرار، مختار، أوار، مُغار، مُنهار ... إلخ.
وبمبتدأ مؤخَّر، نحو: غِوار، نِجار، سوار، إلخ.
وباسم "ليس"، و" ما"، نحو: خِيار، فَخار.
وبالفعل الماضي المتصل بواو الجماعة، نحو: أشاروا، صاروا، اختاروا، طاروا.
أما الصيغ الصرفية التي استعمالها فهي "أفعال"، و"إفعال"، و"فعال"(بضم الفاء وكسرها وفتحها)، "مِفعال"، و"فعَّال"(بفتح الفاء وضمها)، و"استفعال".
فعلى وزن أفعال جاءت: أنصار(مرتين)، أستار، أخطار، أظفار، أحرار، أعيار، أشفار، أقطار، أغمار، أمهار، أوتار، أخبار(مرتين)، أبرار، أسحار، أعشار، آثار(مرتين)، أكوار، أشعار، أحجار، أوزار، أنهار، أقمار، أمطار، أشجار، أعمار، أزرار، أبصار.
وعلى وزن "فَعل" جاءت: دار، جار، زأر، ثأر، نار، عار.
"الرثاء فنّ من فنون الشعر يَخرج عن مجال الرغبة والرهبة" مَقولة لا تصحّ على كل حال.
هل كتب مهيار هذه القصيدة اعترافًا بفضل القتيل؟ النصّ يُثبت ذلك، ولكنه يُثبت أيضًا أن مهيار كان ينال من خير هذا القتيل الكثيرَ، وأنه لا يريد أن يُعاني بعد فقده، وأنه يطلب أن يَدوم هذا العهد النعيميّ. إن مهيار يشجّع على الثأر، ويتمحل الأعذار لمَن تباطؤوا عن الثأر، ويمدحهم، ويوحي إليهم بأنهم مثل القتيل، ويُعدد مناقب القتيل: الكرم وحُسن الضيافة والحماية.
لقد ذكرها مفصَّلةً لكيلا تُنسى أو تغيب عن أذهان أولاد القتيل. هذا ما يريده مهيار، وهو يحتال في أكثر من مئة بيتٍ ليظل جيبُه مُثقَلًا بالمال وبطنه عامرًا بالطعام، إنه يشحذ، ولكن بمهارة. أليس الشحاذ يقول: إنه لا شيء معه، ويظلّ يدعو لك كما شئتَ، ويَعدك بالجنة وهي الثواب الأعظم. إنه يمارس سلطة دينية ووجدانية، فإذا كان قلبُك خاليًا من الإيمان فارغًا من المشاعر، فإنك ستشاهد هذا الشحَّاذ دون حراك داخليّ أو خارجيّ.
قال د. شوقي ضيف: "إنَّ مِهيار يبدأ قصائده ببراعة الاستهلال ويختمها بالدعاء، وكأنه يؤلف رسالة من الرسائل" (الفن ومذاهبه في الشعر العربي/ص٣٦٣).
وقد ختم مهيار هذه القصيدة بالدعاء للصاحب فقال:
لا تبعُدنّ بلىً فقد فات البلى •• بك أن يُظَنَّ تقاربٌ ومَزارُ
وسقاكَ إن عطِش القليبُ وماؤه •• متبجِّسٌ وقَرارُهُ خَرَّارُ
متهدِّلُ الأطرافِ يَمَسحُ بالثرى •• مما تراكَمَ ذيلُهُ الجَرَّارُ
صَخِبُ الرُّعودِ تَهيجُ في جَنباتِهِ •• للعاصفاتِ جَراجِرٌ وخُوارُ
فجرى يجلِّلُ بالحيا حِيطانَهُ •• حتى الجداولُ تحتها أنهارُ
يَسقِي بأعذب ما سَقَى حيث التقتْ •• فِلقُ الصفيحِ عليكَ والأحجارُ
حتى يُظنَّ ثراك نَشواناً به •• دارت عليه من السحابِ عُقارُ
ويضوعَ منك بطيبِ ما في ضمنه •• فكأنّ ضارجَ تُربه عطَّارُ
ونزلتَ حيث تُحَطُّ أملاكُ العُلَىٰ •• شوقاً إليك وتُرفَعُ الأوزارُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)-قال المتنبي:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائمِ •• علمت بما بي بين تلك المعالمِ
وقال أبو العلاء في اللامع العزيزيّ عند شرحه لهذا البيت: "في البيت معنى القَسَم؛ لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا، وإذا حلف النصراني واليهودي فربما قالا: أنا حنيف مسلم إن كان كذا. والمعنى: أنه يريد: إن كنت وقت اللوائم علمت بما بي بين معالم الديار فأنا لائمي؛ وإنما يريد تبرؤه من اللوام وأن رأيه ليس كرأيهم".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.