الحب إما وطنٌ دافئ أو منفى أبدي.
ليس بابًا تطرقه استنجادًا بي حينما تحرقك وحدة الأيام.
أو بركة ماء خلفتها دموع الغيوم تعبرها فتجدني أقف في انتظارك رغم حضورك الباهت وغيابك الطويل.
إذا ظننت أن حبي مجرد ورقة قد تمزقها في أي وقت، فتيقن أنني وإن كان بقدرٍ طفيف قد علمت أنك ستمزقها يومًا ما فقلبي مستعد لك دائمًا..
أنت من يختار في أي صفٍ يكون، أقوى مُسانديك، أو ظلًّا يختفي بمجرد غياب النور.
في الغالب أنت لا تدخل قلب أحدهم، وما يُحب هو عطاؤك، وكيف تجعل مَن أمامك محبوبًا في نظر نفسه، تشعره أنه ملك الدنيا بكفيه..
كما شعور طير حر، ما يُحب هو اشتياقك وإخلاصك واختيارك الدائم الثابت الذي لا يتغير، لأنك تحاول أن تمنح ما صار شحيحًا..
قد لا يكون كثيرًا للغاية لكنه يكون حقيقيًّا لا عبث به ولا ذرة من الوهم.. حبٌّ خالص.
ما في قلبي لك اليوم سيظل كما هو غدًا كما كان البارحة، اجعل أولويتي اختيارك رغم تعدد الخيارات..
لا يهمني أن أنال جرحًا عميقًا من جرّاءِ قراراتي إلا لو كان مِمَّن يتدافع قلبي لحمايته؛ حينئذ سأفلت يدي وأغادر.
قبل أن أحبك سأفهمك، أهتم بك، أحاول اقتحام عقلك قبل قلبك، عندما أعدك سيكون سيفًا على عنقي.. ليس وكأن وجودي مجرد طيف، إما أن يكون وجودي كل الوجود أو العدم.
"لا يوجد حبٌ الآن".
فكرةٌ يطرحها عقلي بإلحاح كلما رأيت موقفًا حنونًا من أحدهم أو ذكرى قد عشتها يومًا ما..
أتساءل هل يوجد ما يسمى الحب الآن وسط كل هذه القيم الفاسدة والألاعيب غير المتناهية؟
أتذكر ما حلَّ بتلك الذكريات التي راودت عقلي؛ ينتابني الأسى وأعود لأقول ربما، وشعوري بأنه وهم يكون أطغى.
لقد اختلفت قوانين الحب التي في جعبتي عن المعايير المتداولة في قلوب الجميع، أنا أجد الحب شعورًا مقدسًا، العلاقات شيءٌ مقدسٌ، الزواج، الأخوة، الصداقة، الزمالة.
عندما أقول أنت تملك مكانةً في قلبي فهذا لا يكون بدافع العبث كما يعتمد استقرار تلك المكانة وصلابتها على من منحته إياها.
إن كنت لن تمشي هذا الدرب الذي يوصلك بي، فمن المؤكد أنني لن أحرك قدمي خطوةً واحدة نحوك، بل سأستدير وأعود من حيث جئت لعلي أجد من يسير تلك المسافة من أجلي وإن لم أجد، فلا مشكلة.. ما زلت أملك خطواتي، سأكمل أنا الطريق وحدي.
يحتاج الإنسان في بعض الأحيان أن يأنس بأحدهم، يشارك، يمزح، يضحك، يبكي، يظهر جميع جوانبه بلا قلق، المشكلة ليست في البقاء وحيدًا أو في أن تختار الانعزال..
المشكلة تكمن في أنه وعلى الرغم من قوتك في اتخاذ هذا القرار أنك ما زلت تحتاج إلى من تخبره أنك ستنعزل.
قد تجلس يومًا في غرفتك وينتابك هذا الشعور العجيب والرغبة في التساؤل عن سبب كونك وحيدًا على الرغم من وجود مليارات البشر..
لماذا أنت تحديدًا لا يبحث أحد عنك، لست المميز في حياة أحدٍ ما، لست شخصه المفضل، إن غبت لبضعة أيام وعدت لا تجد من لاحظ غيابك وكأنك عدم، وأنت إلى ذلك بدوت قويًّا حتى ظن الجميع أن تلك الأفكار لا تنتابك، لا تحزن أو تمل.. لا تتأثر.
تُحارب تلك المشاعر بالذكريات التي علمتك لِمَا يجب أن تبدو دومًا بمظهر المنقذ الذي لا يغرق في بحور ظلماته أبدًا ولا يحتاج لمن ينجده بدوره، فتتيقن أنه يجب أن تبقى كما أنت..
فقط الشخص القوي من لا يحتاج للحب، لا يحتاج للصحبة، المُعين للجميع في أوقات شدتهم.. لا يحتاج كتفًا.
أمسى الحب كما لم نعهده من قبل، لكم تغير حاله! صار كل ما يحدث تحت اسم الحب مشكوكًا في أمره، من العسير تصديقه، حيث صار من السهل التلاعب بالقلب والمشاعر أسفل تأثير كلمة أُحبك.
من غير المعتاد أن تجد الصادق، الوفي، المُحب بصدق، من قد يسير هذا الطريق ليبلُغك.. تتأمل حاله بريبة، تبحث عمَّا يُظهر حقيقة الهالة التي تحفه، يالغرابة أن تجد الشخص الطَّبيعي، الإنسان الناضج، المُصح نفسيًّا.. المُحب بقلبٍ واعٍ.
لقد اعتاد المرء على أن لا يصدق شيئًا، يحتاج لمئات البراهين كي يطمئن؛ لأنه يعرف أنه سيقف في مؤخرة الطريق الذي سار معظمه مع شخص ما بعينين يائستين يتساءل: "ما بال كل هذا الحب أين ذهب؟".
ويتكئ على خيبة أمله وكأن جبلًا قد هوى فوق رأسه.. لقد انتصرت أفكار الشك والحذر.. لقد خسر جزءًا من مشاعره، طاقته، أحلامه، وقته.. من نفسه مجددًا، هان وقد ظن نفسه لن يهون.
كان من الممكن أن يحيا شهورًا وأعوامًا يحارب هذا الحذر الذي خُلق بداخله من كثرة التعثر في تجاربه المؤلمة التي خلفها الحب ويغالط نفسه ويوبخها "كيف تُشككين فيه وهو المُحب والمحبوب؟"
حتى يتدخل الطرف الذي كان متأهبًا ليقتل الظروف من أجله ويكافح بكل الوسائل المتاحة بين يديه كي يجعله فقط يبتسم، ويمزق تلك الغشاوة فيتمزق معها كل شيء: المشاعر والليالي والجهد والأحلام والأماني والمستقبل المُنتظر والأمل في الإيمان بوجود الحب.
وللصدق في الغالب لا يوجد من يفكر بتلك الطريقة كي يحارب من أجل من يحبه وأن يتحدى العالم.. إلخ، نموذج نادر..
التخلي أسهل بكثير حاليًا من المجازفة من أجل أحد ولأسباب عدة، ولكل امرئ عقليته وما عاصر.
بات البحث عن الحب هو الشائع وليس عمَّن يفهم ويتفهم أكثر من أن يحب؛ لأنه إذا لم يدرك فهو لم يحب أبدًا..
فأنا لن أهتم إذا أحببتني ولكن لم تفهم نبرة صوتي عندما كنت محبطة منك، ولن أهتم إذا اشتقت لي كثيرًا ولكن لم تبحث عني مشتاقًا بالمثل، ولن أشعر بحبك إذا لم تُعِرني اهتمامًا وتعتبرني فقط ضمن أشيائك الجميلة ولكن ليس على رأس الأولوية.
تلوُّن الحب في عدة أشكال بهت وتغرب في قلوبنا، من اليسير تلقيه في أي وقت وبآلاف السُبل..
تطبيق مواعدة أو رقم هاتف فتاة جميلة تُثير شهوة الرجال أو صورة شاب على تطبيق تواصل اجتماعي تجعل أعين الفتيات تتحول إلى قلوب.
كلمة "أنا أحبك" تقال في أي وقت وأي موقف؛ على الرغم من أنها غالبًا ما تكون خاوية، لكنها تفي بالغرض لنول رغبة قائلها.
علاقات تنتهي في ليلةٍ وضحاها لأسبابٍ رثة، تختفي الدموع لأنه يوجد من حلَّ مكان من رحل، يتشبث المرء في أكثر من علاقة في وقت واحد بدافع شغل وقت الفراغ، الانهماك في الخداع أو البحث عن الحب من أجل الغريزة والطبيعة البشرية وتتفاوت الأيام..
هل كل هذا يستحق اسم الحب؟
كأن القلوب صارت بيوتًا واسعة يشغلها البعض تارة ويرحلون تارةً أخرى؛ كالمغترب في مكانٍ غير وطنه ويموت حتى يعود لأرضه مجددًا فلا يبقى له أثر في المكان الذي عاش فيه لبعض الوقت إلا من بعض الذكريات.
إما تحوي ورودًا وعبق أمل وصورًا مزخرفة بالحب، أو دموعًا حارقة وغصة في القلب.. ولكن في يومٍ ما ستذبل القلوب كتلك الورود تمامًا، سيجف عبيرها، لن تعود مؤهلة لأن يعيش بها أحد ولو مدة قصيرة..
ستُغادرها الرغبة في أن تكون مسكونة بأحدهم، سيوصد الباب على نحو أبدى.
في مرحلةٍ ما ستتيقن أنه لم يعد يوجد أمل في البحث عن الحب أو حتى في التيقن من كونه حقيقيًّا أم لا.. بل أو التفكير في إمكانية وجوده.
التجارب هي من ستخبرك بالإجابة التي تجزعك غالبًا عندما تدركها على الرغم من كونها جزءًا من الواقع «لا يوجد مصطلح الحب الآن»، فني زمن الحب من النظرة الأولى، الحب من أجل الروح والشخصية، محاربة الظروف من أجل المحبوب، أن يكون الحب أسمى وأعظم من مجرد كلمة تتقاذفها الأفواه.
فقط أعد ذلك الباب الذي يطرقونه كل بضعة أيام إلى شجرة، اجعل من بركة الماء التي تفصلك عنهم محيطًا، اصنع قاربك الصغير وأبحر في هذا المحيط الشاسع، وانتظر حتى تجد من سيعبر تلك الأمواج من أجلك.. حينها قد تجد جوابًا على سؤال «هل كان هذا حُبًّا؟».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.