خاطرة "مرور الكرام".. خواطر أدبية

نعم.. قد قرأتُ على روحه الفاتحة مئة مرة وشيَّعته إلى مثواه الأخير آلاف المرات، وردمت الرمال على جثته العفنة في غياهب روحي ملايين المرات، وطويتُ دفتر ذكرياتي الحزينة والسعيدة معًا في وقت قياسي.

كنت متعجبة ومنتشية من سرعة الانتصار ووثبة التجاوز الشجاعة، فلم آخذ الوقت الكافي المعتاد الذي يأخذه العشاق كي يتعافوا من مرض العشق وإدمان التعود.

 لا.. لم يداهمني الأرق ولم أكتئب، ولم أبكِ، ولم أستسلم لتلك الهبَّات الساخنة التي اعتاد المحبون على مكابدتها في أوقات الانسحاب

ولأني لم أفعل فقد ظل طيفه حاضرًا في داخلي، عميقًا حيًّا ينبض، بالرغم من إعلاني وفاته مرارًا وتكرارًا، وبالرغم من لعناتي وسبابي الذي يطوله ليل نهار.

ظل قابعًا في أعماق اللاوعي في مكان مظلم غير مرئي دون أن أدري، كامنًا في سكون ينتظر ومضة واحدة.

ومضة واحدة كانت تكفي لإنارة تلك البقعة المظلمة في صدري التي استعجلتُ إطفاءها بنفسي، كما اعتدتُ دائمًا إنهاء الأمور العالقة بسرعة أو بتسرع، أيهما أدق.

وذات ليل، وبعد مرور وقت ليس بالقليل، كنت أشاهد فيلمًا افترق فيه الأبطال لعدة أعوام ثم عادوا من جديد.

استهزأتُ بالمشهد. فأي رومانسية تلك التي تغلب الكرامة؟ كم كرهتها وأشعرتني بالغثيان؛ فالعودة لحب سابق ترك فيك ما ترك من الآلام والتساؤلات هو بمنزلة ارتدائك ملابسك الداخلية المتسخة بعد الاستحمام، أي غباء هذا؟

إلى أن جاء ذلك المشهد الذي حوَّل حالة الاشمئزاز إلى حالة من الانهيار والبكاء.

عندما عاد البطل واحتضن حبيبته دون أن ينبس ببنت شفة...

مشهد غير مبرر في حكم العقل والمنطق، لكنه كان بمنزلة دواء للروح والقلب الملتاع، كان بمنزلة صفعة أفقت منها على حقيقة أنه لا يزال بداخلي ولم يغادرني بعد، وها أنا أقع ثانيًا في خديعة الكبرياء من جديد، الكبرياء الذي صوَّر لي أني تجاوزته وانتهى الأمر.

لم أتماسك، فانسابت دموعي غزيرة، مع غصة في الصدر تحمل كل معاني العتاب، وسؤال: أين أنت؟ ولماذا رحلت؟

والسقوط المدوي في كومة التساؤلات التي لا إجابة عليها.

أدركتُ لحظتها أن هذا المشهد أسقطَ ورقة التوت التي طالما واريت بها سوأتي.

نعم لقد كان هو أولى سوآتي، وأكبر هزائمي، وأبشع خطاياي

لقد كانت القبلة بين أبطال الفيلم بطعم العتاب.

هل سمعتم من قبل عن قبلة عتاب؟

أعرف هذه القبلة الممزوجة باللهفة والحزن والخوف والعشق والضياع والعتاب والخذلان، أعرفها جيدًا. تلك التي ترافقها هزة للكتف بعنف ورغبة في الانتقام حبًّا.

لا، لم أُشفَ منك بعد، لم أتخلص من وجودك في دمائي، لم تخرج من حنايا روحي، لم تغادر ثنايا جسدي.

وما فكرتُ قط أن أرفعك لدرجة أن أكتب عنك، فأنت في عقلي الواعي مجرد نكرة، لكننا نكتب أول ما نكتب عن هزائمنا، وخساراتنا الصغيرة، تلك الهزائم التي تغيِّر ملامحنا إلى الأبد وتجعلنا ما نحن عليه الآن.

وما إن خرجت الكلمات ورأت النور حتى تجلَّت الحقيقة، ها أنا ذي أكشف الحقيقة التي ما إن نطقت بها حتى شعرت بالتخلص من عبء ثقيل على صدري.

لقد مررت على قلبي مرور اللئام. نعم تسرعت في إعلان وفاتك. كان الزمن وحده كفيلًا بشأنك، وها أنا ذا أنتظر تلك اللحظة التي تقفز فيها إلى ذهني دون مبالاة مني، فتمر وكأنك لم تكن، مرور الكرام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة