اعتدتُ أن أتمشَّى من مدة لأخرى في شوارع قريتي وحولها، أحدقُ في كلِّ الموجودات التي تحيطُ بي من أشخاصٍ وجماداتٍ ومناظر وحيواناتٍ.
كنتُ إذا رأيتُ غيمةً تسبحُ خارجَ كتلةِ الغيوم المتجمِّعةِ تحجبُ ضوءَ الشمسِ محاولةً الهرب، حملقتُ النظرَ إليها في ابتسامةٍ متسائلًا: ما الذي دفعَ بهذه الغيمةِ أن تهربَ؟ هل هربتْ لأنَّها لا تحبُّ حجبَ أشعةِ الشمسِ عن الوجودِ؟
أم أنَّها هربتْ لأنَّ هروبَها يجعلُها متمايزةً عن تلكَ الغيومِ المتكتلةِ؟
أم لأنَّ هروبَها يجعلُ الناظرينَ يطيلونَ النظرَ إليها في انبهارٍ من روعةِ جمالِها ودقةِ المسافاتِ بينَ حُبيْباتِها؟
وكأنَّها غيمةٌ ليس كمثلِها غيمةٌ! تفرُّ زاهيةً تسبحُ الهوينى، فتغري كلَّ من يرفعُ رأسَهُ إلى السماءِ بأن يظلَّ محدقًا فيها، متأملًا شعاعَ الشمسِ الذي يتخلَّلُها بأسهمِهِ البراقةِ واضعًا اللمسةَ الفريدةَ على أبدعِ لوحةٍ، وأجملِ منظرٍ.
فهي كلَّ يومٍ بهيئةٍ وفي كلِّ ساعةٍ بلونٍ! خفضتُ عينيَّ عن السماءِ فلمحتُ طفلًا يقذفُ بالكرةِ لصديقِهِ.
أمعنتُ النظرَ في وجهِهِ، بدا مبتهجًا لأقصى حدٍّ. يضحكُ ويقفزُ ويجري في حيويةٍ ونشاطٍ وكأنَّ سعادةَ الدنيا قد اختُزلتْ في رميةٍ للكرةِ والتقاطَةٍ من صديقٍ!
حوَّلتُ نظري عنهما وإذ برجلٍ مسنٍّ يحملُ كيسَ خضارٍ في يدٍ وفي يدهِ الأخرى عصاهُ التي يعكزُ عليها، يتمهَّلُ في مشيتِهِ فقد بدا أنَّ ظهرَهُ يؤلمُهُ وذلكَ الكيسُ رغمَ خفَّتِهِ بدا ثقيلًا يكادُ يسقطُ من يدهِ.
أشفقتُ عليهِ وكدتُ أسرعُ لأحملَ الكيسَ عنهُ وإذ بصديقِ الطفلِ الذي كانَ يقذفُ الكرةَ يسرعُ فيأخذُ الكيسَ من يدِ الشيخِ ويمشي بمحاذاتِهِ فخورًا وكأنَّهُ فازَ بجائزةٍ كبرى! ابتسمتُ مغتبطًا من سلوكِ الطفلِ الذي جعلَ هبَّةَ النسيمِ وكأنَّها تدغدغُ قلبي لا وجهي.
عدتُ إلى البيتِ بعدَ هذه النزهةِ التي استغرقتْ العصريةَ بطولِها رغمَ أنِّي ما فعلتُ شيئًا غيرَ تأمُّلِ تلكَ الغيمةِ وذانِكَ الغلامينِ والشيخِ الوقور!!
ما أجملَ أن تنظرَ إلى الدنيا من زاويةٍ أقربَ فتنتعشَ روحُك بجمالِ التفاصيلِ!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.