هذه الحياة سفر، فالروح التي بين أضلعنا ليلاً نهاراً على سفر، والكائنات التي تنظم سير الكون على سفر، فالقمر قبل الشروق يكون على موعد بالسفر، والشمس عند الغروب تكون على سفر، والغيم بعد الهطول ميمماً وجهته للسفر! والكون كله على موعد بسفر!
إيّاك أن تضيق واسعاً وتقصر معنى السفر على الانتقال من بقعة جغرافية لأخرى؟ ليس من المنصف تقليص المعنى لهذا الحد؟
يا عزيزي إنّ المواقف التي تخوضها سفر، العلاقات التي تتقلب بين أحوالها سفر، وانتقالك من شعور لآخر سفر! وتبدل عاداتك من عادة لأخرى سفر وتعديل سلوكك من سلوك لآخر سفر، وتقلب مزاجك وتغير تفضيلاتك ضرب من ضروب السفر! وفي كل ذلك ترى ما ترى من وعثاء السفر!!
أذكر أنني قرأت عبر سفري بين الحروف يوماً، أننا في سفر هذه الحياة نشهد اصطفاء الله تعالى لعبده الذي يحب القلب الذي يدنو منه، والروح التي تحوطه وتشد من أزره، والنفس التي ترابط على حراسة حُلمه، ويكون منها له مثل رعاية الأم لولدها، تترجم صمته، وتقرأ عينه، وتحمله إلى غايته.
وطالما أنك في سفر هذه الحياة، لابد وأنك ستتذوق من غربة الروح، فالسفر والغربة رفيقان متلازمان! وقد جسّد الشاعر تلك العلاقة في بيت قصيدته قائلاً:
إِنِّي مُقِيمٌ وَلِي رُوحٌ عَلَى سَفَرٍ
أَوَّاهُ يَا غُرْبَةَ الأَروَاحِ أَوَّاهُ
لذلك عزيزي القارئ كُّلما شعرت بثقل السفر تذكر صاحبك في السفر، ربك الذي كُّلما ناجيته ملأ رئتيك بحبه، ناجيه وابتهل بما ابتهل به نفر من أهل الله قائلاً:
أحببْتُكَ قبْلَ أن أخافَكَ..
وكلَّما سمعْتُ اسمَكَ صِرْتُ به أكثرَ ثَراءً..
أنسى وَهَنَ الجسدِ.. وضياعَ الرُّوح.. وقسوة الخسارة حين أيمم وجهي لأتبتل إليك..
يا رب..
وأنْتَ الكبيرُ في عليائِكَ وأنا الهَباءةُ في كونِكَ
يا رب إن هذهِ الدُّنيا سفرٌ إليك فأعنّا علينا لنصلَ إليك
أسأل الله لي ولك السلامة في كل سفر.
مقال جميل
ارجو ان تقرا مقالاتى و تعطينى رايك
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.