خاطرة "ما إن تحدث الورق".. خواطر وجدانية

على هذا السطر كان الخط مُرتعشًا يكاد يُقرأ، وهنا.. كانت الكلمات واثقة تكاد تشع بين السطور، وهنا.. أمست الأحرف تفوح بعبق الحُب، وفي تلك الجهة كانت الجُمل مُبتلة وتقطُر دموعًا.

هنا.. حيثُ تكون أصواتنا مسموعة، كلماتنا تحمل بين نقاطها شعورًا، كُل حرفٍ كتبناه يروي لنا قصة، وأنفاسُنا تكون منثورةً تكشف لنا خبايا هذا اليوم الذي كُنا نكتب فيه على ضوء القمر بكافة جوارحنا، وقد أفرغنا في الورق كُل مشاعرنا، وأصغنا الكلمات بطرقٍ لم يأتِ على بالنا ذكرها، قد نكتب كلمةً مُشمسة..

أحضرناها من ربيعنا الحالم مُزخرفة بالزهور لنحكي بها حكايةً مُضيئة نُريد أن نُخلد ذكراها، وقد ندون كلماتٍ باردة جلبناها من شتائنا العاصف تقطُر دمعًا.. لنترك قلبنا يتكلم لعلهُ يفيض بشيء من تلك الجُمل الكثيرة التي يحملها بين شرايينه ويرفض التخلي عنها بالرغم من أن وجودها يُحيل نبضاته إلى صراخٍ.

وقد نكتب كلماتٍ مُبعثرة.. أحضرناها من خريفنا المُضطرب، لكن بها ضوء الأمل، الأمل الذي سنُرمم به عثراتنا لنبدأ حياةً جديدة أقرب ما تكون لأحلامنا، وبدلًا من أن نتركها مُبعثرة كورق الشجر الذابل.. نُرتبها ونصنع بها حكاية نُغلق بها قصةً قديمة لا نستطيع أن ننساها.

وفي أحد فصول العُمر، سنكتُب بخطٍّ لم نعتد الكتابةَ به أبدًا، تستشعر قلوبنا مشاعرَ جديدة.. لتشرع أناملنا في إنجاب كلماتٍ صغيرة..

وبمرور الأيام تكبر في قلوبنا، كلماتٌ ساخنة مُلبدة بالمشاعر فنصنع فصل السنة الخامس الذي يمرُّ علينا نحن فقط.. بدقائقه وساعاته وذكرياته وأحلامه ودوافعه.. وأيضًا آلامه.

حيثُ ندون جملًا بسيطة.. نُغذيها بأحاسيسنا.. ويومًا بعد يوم نتمنى أن يُشاركنا من نكتب لهُ تلك الكلمات.. دربنا، وتُصبح أفئدتنا أكثر نقاءً.. لم تعد بها تلك النقاط السوداء التي نتذكرها دومًا.. لأن هناك ما دفعنا لأن ننساها.

وقد تكتمل تلك الحكاية.. بكلماتٍ مُزخرفة بالورود، أو جُملٍ مُتكدسة بالدموع.

وقد تكون تلك الأوراق الفريدة من نوعها.. ملاذنا أو جحيمنا، وتلك الكلمات قد تكون ذكرياتٍ ناصعة تُزين عُمرنا أو نقاطًا سوداء كالتي رحلت عن قلبك لتعود لهُ مجددًا..

لكن قد زادت أضعافًا لتُصبح بُقعًا تُغطي ما بقي مُعافى، لكن في النهاية.. سنرى أنفسنا الحقيقية.. فعندما سنقرأ تلك الورقة سنجد كم كانت السذاجة تُغلف كلماتنا، وعندما نقرأ الكلمة التي تليها سنرى كم الألم الذي صاغ أحلامنا، وسنُدرك أن الألم ما هو إلا مُفتاح لنعبر به إلى حياةٍ جديدة..

نكون بها أكثر نضوجًا واتزانًا، وسنصل لحقيقة أن الألم هو أقوى حقيقة ما زلنا نكتشفها بمرور السنين.

وعندما نعود لنكتب.. بعد أن تذوقت أيدينا فصول الكلمة.. سنفهم أن صوت الورق الخافت.. هي أصواتنا.

فنكون نحنُ أبطال القصة.. نحن من سيبوح الورق عنا، عن كم تعذبنا وكم تألمنا، وكم فرحنا، وكم أملنا، وكُل تلك الأوراق التي دونَّاها ستجتمع معًا في كتابٍ واحد.. ليروي حكايتنا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة