في زمن مبكر، وبعد الطفولة وسن الصبا، كنت غلامًا لا أفكر بشيء، ولا يتذكر عقلي شيئًا، ولا تصيبني الأحزان ولا الهموم، كنت منشرح الصدر، هادئ البال، قرير العين، مطمئن القلب، ما أحسن تلك الأيام! وما أجملها أيام الطفولة! أيام لا يعرفها إلا من يتذكرها ويتفكر بها.
كنت في جل أوقاتي ألعب بالتراب والأحجار، وأصنع السيوف من الأشجار، وألعب مع الأصدقاء والزملاء والأقارب والجيران، وكان إذا جاء المطر نذهب إلى أمكنة المياه والبرك والحواجز والسدود، فنسبح فيها ونتعارك ونتصادم في الماء، ونضحك ونتمازح، ولا نفكر إلا في كيف نلهو ونلعب ونتسلى ونذهب إلى الجبال والمرتفعات والهضاب والسهول؛ لكي نتنفس في تلك الأجواء الجميلة.
وننظر إلى الخضرة وجمال الأشجار والعصافير المتلونة المتنوعة ومتعددة الأحجام، ونلعب بالطين فنبني البيوت الصغيرة، ونصنع أصنامًا على شكل أطفال، ونسمي أحدهم شيخ القبيلة، وبعضهم أتباعه والباقي الرعية، ونعدّ عرسًا لتلك اللعب، نقسمها إلى رجال ونساء.
كنا نقضي الفراغ والوقت ونحن في قمة السعادة والراحة، في أيام الطفولة كنا نذهب إلى المدرسة، ونحن في الصفوف الأولى ولا نفكر إلا بمصروف المدرسة فقط لا غير، ونلعب وقت الراحة وبعد الخروج، كنا نذهب إلى أشجار السدر، واسمها في بعض البلدان العلب، وهي تحمل ثمرة الدوم، وفي بعض البلدان البعار، وطعمها لذيذ وجميل، فنتسابق إلى التسلق والصعود إلى أعلى الشجر فنجني الثمار.
ومن يجني عددًا أكبر فيكون الأمير، وما علينا إلا السمع والطاعة لأوامره، أيام الطفولة كانت سعادتنا جملية، نشعر بها كلنا، إذا جاء الليل عدنا إلى المنازل فننام، وفي الصباح يرسل الأمير واحدًا منا؛ ليأتي بالمتخلفين عن الجماعة والعصبة، ونبني لنا أمكنة من أحجار، ونسميها سجنًا لمن تنكر وتخلف عن الزملاء، وبعد نصف ساعة يصدر الأمير قرار الخروج، ونذهب بعدها إلى الأمكنة التي كنا نلعب فيها.
وكنا ننقسم إلى فريقين: فريق اسمه العدو، والفريق الثاني اسمه صاحب الحق، وينشأ بيننا صراع وعراك، وبعدها نشعل النار، ونصنع الشاي، ونكلف أحدنا بالذهاب إلى منزله ليأتي بقليل من السكر والشاي، ونقضي الأوقات ونحن سعداء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.