خاطرة "لماذا".. خواطر وجدانية

أنا هنا منذ ثلاثين عامًا، هنا في الحياة الدنيا، على هذه الأرض، في هذا الوطن، في هذه المدينة، في هذا الحي، لكنني لم أنتمِ يومًا إلى أي أحدهم كالغريب أو أنني الغريب حقًا..

كنت في يوم من الأيام شابًا وسيمًا، لم أبلغ الثامنة عشر من عمري بروح مملوءة بالحب، ففتحت أبواب نافذتي؛ لأرى الشمس المشرقة وأسمع صوت العصافير وأشتم رائحة الربيع، كنتُ أقلد ما حدثتنا عنه معلمتي في حصة القراءة... 

فوجدت دمارًا وخرابًا ودماءً، ولم أسمع غير صوت الطائرات تحصد الأرواح، ومارون كثر هاربون من وطنهم يتحسسون أطفالهم والأمان.. 

أغلقت نافذتي قائلًا تلك الأيام ستذهب وستشرق الشمس يومًا.. 

ومضى ما مضى من الوقت وبردت الحرب قليلًا، فقسم الوطن وساقونا إلى أرض محدودة نحو الشمال وقالوا لنا أنها محمية، وفعلًا كانت محمية.. هي كالتي كنا نراها على ناشونال جيوغرافيك؛ محمية يحكمها أسد في الأرض ونسور في السماء، ولا تخلو أبدًا من الضباع والذئاب، وعنوانها الحياة للأقوى... 

ويا ليت بقيت قوة لدينا،  صدقًا أنهكتنا الحرب وأهوالها، وأصبحنا ضعفاء، وبدأ الموت البطيء داخلنا يتمدد من مخلفات تلك الحرب، فأصبحنا نسمع عن أمراض جديدة ليس لها دواء إلا خلف المحمية هي دولة بتجاه الشمال وبمبالغ خيالية، فذهبنا بمن أصابه المرض فأخذوا منا المال وأعطونا جرعة من الموت.. 

سم قاتل بشهادة وفاة، كتب عليها انتشار مرض وتوقف قلب بالكامل.. سمعتهم من خلف الستار قائلين، مرضى كثر وكبار في السن لذلك احقنوهم بالسم وتخلصوا منهم.. 

ومضى ما مضى من الوقت ولم تشرق الشمس! أنتظر خلف النافذة على أمل أظن أنه استشهد، وأنا الآن في الثلاثين من عمري،  لم أستطع أن يكون لي بيت خاص، ولم أكمل تعليمي، ولم أحب، ولم أتزوج، ولم أنجب، ولم أفعل شيئًا كنت أحلم أن أفعله.. 

ليس هذا فحسب، إنما بقيت غارقًا في البحث عن قوت ودفئ يومي فقط، فأنا أحد الضعفاء في هذه المحمية،  وحولي الكثير من الأقوياء بفضل الحرب يأكلون رزقي ورزق غيري، يبنون بيوت حجارها من ذهب من مالي ومالي غيري، وأنا أكتفي بالنظر، أقلب صفحات تلك الأيام... 

يتبع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

صبراً عزيزي ستشرق شمس يوم جديد في يوما ما وستبدد الظلام وسيظهر نور الحرية والعدالة وتحرر والانتصار ليرفر وينهي هذا المأساة والمعاناة ❤️ياه جعلتني فعلاً ابكي على كثر هذا المعاناه🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا لك انسة ليلى الأمل بالله لا ينتهي
وحسن الظن به باقِ...
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

أكيد استاذ نور الدين الأمل دائماً موجود مدام لنا قلب يدق فلن يموت بل بالإيمان بالله نقوى اكيد ...
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة