بادئ ذي بدء أنا أعلم مدى شعورك الحزين الذي يُسبب لك اليأس والإحباط، وأعلم أن الحياة ليست صعبة فحسب ولكنها شاقة، شاقة لدرجة أننا نتمنى الموت كي نرتاح.. نُريد التخلص من هذا العناء المستمر، العناء المنغص علينا حياتنا كلها، لدرجة أننا أحيانًا نستحي أن نضحك، وإذا رأيتُ أصدقائي لا أشعر أنني أنتمي إليهم، لا أشعر أنني موجود فعلًا بينهم، يضحكون فأضحك، يتكلمون فأتفاعل.
وأذهب وحيدًا لمنزلي وأعبر عن سعادتي -الزائفة- بأجدع صحاب على منصات التواصل الاجتماعي؛ لأحصل على إعجابات زائفة، ولكن كافية لتسكت بداخلي الحاجة للمجتمع. ولذلك لا أقلل أبدًا من هذه المشاعر ولا أنكرها، ولكنني توصلت لمعالجتها عن طريق معرفة أسبابها وحكمتها.
الإجابة طويلة، ولذلك سأحاول اختصارها:
1- شئت أم أبيت عليك الإيمان بالقضاء الله وقدره، وذكر ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: "القدر في اللغة؛ بمعنى: التقدير؛ قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر:49]. وأما القضاء؛ فهو في اللغة: الحكم. ولهذا القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن تفرقا. فالتقدير: هو ما قدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه. وأما القضاء: فهو ما قضى به الله -سبحانه وتعالى- في خلقه من وجود أو إعدام أو تغيير.
ومن هذا عليك أن تعلم أن كل رزقك بكامل أنواعه مُقدر بمقدار الله، وقضاء الله نافذ. وبناءً على هذا، يجب ألا تجزع من أن رزقك لن يصيبك، سواء كان رزقًا معنويًّا أو رزقًا ماديًّا.
والرضا بالقضاء والقدر من ضمنه الرضا بالصحة والمرض، بالفقر والغنى. اعلم أن كل شيء كبير في حياتك سواء ترى أنه جيد أو سيئ فهو ابتلاء، فكم من الناس من يكون ماله لعنة عليه، وكذلك صحته وكذلك منصبه الرفيع، فلا يغرك نعمة الآخر، فمن الممكن تكون هذه النعمة عين الابتلاء في حياته.
وأحيانًا تحدث لك حوادث في حياتك توقفها تمامًا؛ وتشعر أن الأبواب أغلقت أمامك، ولكن اعلم أنك لو اطلعت على الغيب لاخترت الواقع، فأنت تمشي في طريق تحسبه جيدًا، ولكنه في الأساس يؤهلك لشيء ما أكبر مما كنت تحسب.
2- نحو 70% من خيباتك بسبب أذى البشر.. لماذا؟ لأنهم هكذا فهي طبيعة بشرية، وقد تكون المؤذي في رواية أحدهم، دون أن تقصد إذا كنت إنسانًا طيبًا، ولكن وجودك مؤذٍ للبعض، كيف وأنت لم تؤذِ نملة من قبل؟
فنجاحك مؤذٍ؛ لأنه يُشعِر البعض بخيباتهم، لأنك كلما نجحت أشاع نورك وزاد، وكلما زاد نورك تُظهر أشد البقاع ظلمة، فكأنك سلطت الضوء على الفاشل، الناجح كالنور الذي يفضح المستور.
أتتذكر والدتك وهي تقارنك بابن خالتك، فتحاول أن تجتهد لتصبح ناجحًا مثله من وجهة نظرها، وبعد مرور الوقت من التركيز على حياته، تكرهه، وتبدأ في أذيته؛ لأنك تشعر أنه قد أذاك سلفًا.
أذى البشر مثل الحر والبرد؛ أتشتكي منهما وتكرههما أم تتعامل معهما لتحاول الوصول لجو معتدل لجسدك كلما استطعت أو تحاول تقبل الجو؟
وهكذا أذى البشر؛ فعليك التعامل معه والرضى به، إما بالتجاهل وإما بالتعامل معه بتعلم مهارة أخذ الحق، وكما قالوا أجدادنا: "أخذ الحق حرفة"، وعليك إتقانها جيدًا، وعليك التسلح بشخصية قوية لا تهتز لتنمر أو لغدر أو لخيانة أو لكذب؛ فأنت تعلم أنهم سيئون، وسلح نفسك بقلب سليم وشخصية مقاومة للحياة.
3- من ضمن أذى البشر أنهم لا يستحقون المعروف لأنهم ينكرونه تارة، ولا يقدرونه تارة، ولا يردونه لك تارة أخرى وقت حاجتك.
اعلم أنك مجرد جند من جنود الله، وأن عليك مساعدة البشر، وتيقن من أن الله سيسخر لك الناس ويُطوع لك خلقه، وقد قال محمد راتب النابلسي في محاضرة من محاضراته: "إذا أراد الله إهانة إنسان يتطاول عليه أقرب الناس إليه، وإذا أراد إكرام إنسان جعل أعداءه في خدمته وحتى دون أن يشعر"، ولذلك افعل المعروف وأعطه لله، ولا تنتظر شكرًا ولا تقديرًا ولا أي شيء ممن قدَّمت له هذا المعروف، فقط انتظر من الله.
4- دائمًا بداخل كل بلاء هبة، حتى بلاء الموت، وكل ما عليك هو حل لغز الرسالة المتضمنة في هذا البلاء.
وهذا البلاء أوقف حياتك، مثلًا شخص توفي ولده، وهذا ابتلاء جدًّا كبير، ولكن بموت الابن قد يهتدي الأب أو تتوقف الأم عن ذنب معين أو تترابط الأسرة أكثر؛ لأنهم متحدين في حمل البلاء.
مثال آخر: تعمل مدة كبيرة جدًّا على مشروع ما وتخسر كل أموالك وتتداين، وهذا لأنك قمت بخطأ تحسبه بسيطًا فتتعلم. دروس الحياة ندفع ثمنها من أنفسنا، فالبلاء لا يهونه سوى فهم رسالته المتضمنة به.
5- الحياة هي مراحل إعداد مستمرة، ففي صغرك كنت تستعد لتصبح شابًا قويًّا، وفي شبابك تستعد لتصبح شخصًا ذا قيمة، وكل مراحل الحياة وإعدادها تعدك لتكون شخصًا سويًّا وتدخل جنة الله في الآخرة.
6- مهما كان وضعك فأنت تستحقه؛ كي تنتج من نفسك أفضل نسخة منك.
7- كما نحن مختلفون في ألواننا وشخصياتنا وجنسياتنا وألسنتنا، فنحن مختلفون أيضًا في أنواع ابتلاءاتنا، فلكل واحد ابتلاءه الذي يناسبه. وإن كان الوضع غير ذلك فكنت تجد أن كل الناس في نفس المستوى فتفسد الأرض.
8- الابتلاء أكبر حافز للإنسان كي يعمل، فلولا الابتلاء لماذا نعمل ولماذا نذاكر ولماذا نتريض، إلخ.
9- على الرغم من بحثنا الدائم عن الاستقرار، فإنه يخلق الملل؛ لأن النفس البشرية تمل من الاستقرار، ولذلك تصفعك الحياة بين الحين والآخر لتفيق من غفلة الاستقرار؛ فنحن مثل القلب نحتاج للنبض الصاعد والهابط كي نعيش، وفي حالة استقرار النبضات تتوقف الحياة.
10- لا تسأل "لماذا؟" بكل أنواعها، ولكن اسأل نفسك "ماذا يريد الله أن يُعلمني؟ ما الرسالة الباطنة المُغلفة في هذا الابتلاء؟" وحالما تجد هذه الرسالة وتفهمها جيدًا وتُصلح ما يجب إصلاحه في حياتك ستكتشف المفاجأة، من أنتَ فعلًا؟ كل الناس على مر العصور يحمل كل فرد فيها رسالته الخاصة التي كَلفه الله بها؛ لأن الحكيم خلقنا بقدر وحكمة بالغة، فماذا يريد الله منك؟ هذا هو السؤال الصحيح؛ وهو نقطة انطلاقتك في الحياة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.