عندما كنا في السابعة عشر من أعمارنا كان لدينا القدرة على التفكير وربط الأشياء بروابطها وأسبابها، كنا نقوى على حل أسئلة الرياضيات، التي كانت تبدو للبعض مستحيلة فكنا نحب أن نرى إنجازاتهم وما توصلوا إليه، كان من أصدقائي الفنانين ذوي الخيال الواسع، فكنا نحب أن نستمع إليهم.
كنا ذو همة عالية، أما الآن بعد دخولنا الجامعة ضاع كل شيء، لعله بسبب الاصطدام بالواقع، ورؤية الحياة على حقيقتها، لعلنا ظننا أنه لا داعي للعمل بعد الآن؛ فلا جدوى من تصحيح أمور قد وَلّت منذ زمن، أو قد يكون بسبب التواكل البشري ومعرفتنا بعد فوات الأوان ألا أحد يحمل ذنبك غيرك.
لا أعرف أين ذهبت هذه العقول؟ ولا كيف تسرب حب المغامرة من عروقنا؟ لكن ها هو واحد قد تبقى منا لا يزال يقاوم في المحافظة على نفسه من آثار الزمن حتى ظن أهله أنّه واهم وفاقد لعقله، ولا يعرف أصدقاؤه من أين له هذه القوى التي تجعله رابطًا على الطريق لا يتوارى؟
نعم، هو فاقد لعقله يحاول جمع الدنيا بين راحة يديه، يبدو سعيدًا، لا نعرف كيف يحقق ويصل إلى ما يريد؟ لكنني عن نفسي كلما خطر ببالي ما قد أنجزه وتوصل إليه يتسرب إلي بعض من الحسد، أقول في خواطري: ليتني كنت مجنونًا، أيعقل أن يكون هو العاقل الوحيد وسطنا نحن المجانين؟
لعل جنونه هذا الذي نعيبه نحن مدعو العقلانية يجعله يرى ما لا نراه، ما زال يستيقظ صبيحة كل يوم ولديه أمل ليحقق ما علينا تحقيقه، ذاك الرجل ليس لديه رفقاء أو أقارب لعل أمله هو رفيقه، أو أنه هائم على الطريق وحده، لعله يرى بعقله العالم كأنه مستشفى، وهو وحده الطبيب فيستيقظ كل يوم مجبرًا؛ ليعالج مرضاه، لعله يستشعر في ذاته أنه جندي وحيد في حربه، قد وضع بوصلته على أبعد أُفق حتى تلمس النجوم عاليًا.
ماذا يريد؟ أيريد الدنيا؟ لكنك نجحت في جمع البعض في وقت قصير، كيف فعلت هذا دون خطأ؟ كيف فعلت ذلك وحدك يا ذاك؟ أليس لديك أحبة؟ أم أنك مجنون فلا يعيرك الاهتمام أحد؟ كيف تجد المتعة في أصعب الظروف؟ في حين كل من حولك يظنون أنك بخس الثمن، وأنت ترتب لنفسك أن تكون أعلى القمم، ما زال يتسرب إلى عقلي شعور الحسد، وأفكر أن أقذف بعقلي وأُجنّ مثلك!
ما زلت أتساءل، ألم ترَ من الدنيا ما يكفيك ويغنيك حتى تتعب وتيأس؟ أم أنك لا تهتم أساسًا، أنا لا أعلم من أين تأتيك هذه القوة أو من أين تأتي أنت بها؟ ليتني كنت مجنونًا مثلك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.