إن اللاوعي يحتفظ بكل ما يدركه عن طريق الحواس من خبرات وتجارب ومعلومات، يحتفظ به في الذاكرة -التي هي جزء من عدم الوعي- ونادرًا ما يُمحى من هذا المخزون شيء.
فما ننساه لا يعني أنه مُحي من ذاكرتنا، كل ما في الأمر أنه يكون قد ابتعد عن متناول الوعي، فهو قد يؤثر في وعينا وتصرفاتنا وإن لم نعي ذلك (وقد استفضت في الحديث عن ذلك في كتابي "فن تطوير الذات" الذي سيصدر قريبًا).
وبعض الذكريات تكون حاضرة بقوة وفاعلية في حياتنا.
وحين نقول إنه يحتفظ بكل خبرة أو تجربة أو معلومة يفهمها، فإننا نعني أنه يحتفظ بكل ذلك دون تحقيق أو تدقيق، فالتحقيق والتدقيق وفرز الصالح من الطالح إنما هو من عمل الوعي وليس من عمل اللاوعي.
اقرأ أيضًا: إشكالية الوعي واللاوعي
وبما أن اللاوعي لا يميز بين هذا وذاك، فإنه في المواقف المختلفة سيقترح عليك من مخزونه ما تتعامل به مع الموقف، سيقترح عليك عشوائيًّا إلى حد كبير. فإنه قد يقترح عليك أن تتعامل مع الموقف كما تصرف مع مثيله بطل رواية أو فيلم أو مسلسل مثلًا! ففي الغالب إذن يكون العمل برأيه خروجًا من الواقعية إلى الخطل والتصرف غير المُجدي.
وكثيرًا ما يرى الناس من بعض الأشخاص تصرفات تنم عن جهل كبير ووعي ضيق فينعتونهم بالغباء، وفي الحقيقة ما هو بغباء، لو تحرينا الدقة، إنما هو تصرف غبي جاء نتيجة وعي ضيق. ولو درَّب هؤلاء الأشخاص وعيهم على الحضور القوي، وأخذ زمام الأمور لاجتنبوا كثيرًا من الهفوات والزلات.
اقرأ أيضًا: كيفية تثبيت المعلومات في الذاكرة
وهنا يتضح دور الوعي جليًّا. إن كان الوعي قويًّا فرض عملية "فلترة" للمقترحات القادمة من اللاوعي، واختار منها ما يوافق الصواب (كما يراه صاحبه، فكل امرئ يرى الصواب من زاويته الخاصة، لكن توجد ثوابت نعلم جميعًا أنها صواب، كمساعدة المحتاج واجتناب إيذاء الضعيف وعدم السباحة إلى مدى بعيد في البحر...إلخ آلاف الثوابت الأخرى).
فإنه من رشاد العقل أن لا ينقاد الإنسان لظنونه ولخواطر لاوعيه دون تمحيص وتثبت من صحتها، فهي كثيرًا ما تكون غير صحيحة، ولا سيما الخاطر الأول الذي كثيرًا ما يتسم بالعجلة وعدم التروِّي، والذي يتصف بكونه نابعًا -في الغالب- من صميم اللاوعي، إذ لم يمرر على الوعي لفحصه.
لذا من الواجب تقليب الفكر في كل ما يَعرِض للإنسان وكل ما ينوي فعله أو قوله، وحث العقل على استنباط حلول كثيرة يُحكم الإنسان وعيه في اختيار الأنسب منها.
اقرأ أيضًا: الوعي باللاوعي
أما في الحالات الطارئة التي يتحتم في مواجهتها التصرف السريع في أجزاء من الثانية، فإنه لا مفر من الركون إلى اللاوعي إذا كانت استشارة الوعي متعذرة.
ومع ذلك، فإنه في بعض الأحيان يكون الوارد من اللاوعي هو الفكرة الصائبة تمام الصواب. ما على الإنسان إذن هو أن ينظر بعين عقله وبصيرته في كل حل، فلا يختار أو يهمل منها إلا بعد تمحيص وتثبت من صوابه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.