من الأصدقاء من لا يتبدَّلُ ولا يكشف الزمان زيف معدنه. وقد أنعم الله عليَّ بالمُسمَّى "أيوب". اسم على مسمى، لا تغيره شهوات الدنيا وزينتها. كالذهب في صفائه، كالنهر الدائم الجريان في سخائه. يبتهج قلبي دومًا إذا اقترب موعد لقائه أو زيارته. يعلم القاب أن رؤيته زيادة في البهجة والسرور. ثم إن اجتماعاتنا لا تخلو من الذكريات الطيبة والطرائف العجيبة.
شاء القدر أن تطأ رجله بلدًا تُقنا لزيارته معًا قبل رجلي. كان صادقًا في كلامه إذ عاهدني بمساعدتي في اللحاق به ديار المهجر. وما هي إلا شهور قليلة لأحط الرحال جنبه في نفس المدينة التي يقيم بها.
ازداد شوقي للقاء يدفئ روحينا، الجلسة مع الروح التي تشبه روحنا لها أنسام عطرة.
حسن الضيافة وإكرامي كان شيء يُزين مائدة أيوب ونحن نتحدث في شتى مجالات الحياة.
كادت مقالته أن تميتني ذات مساء؛ يحكي أنه يعاني مع زميل له في العمل. إذا حان وقت العمل يفر إلى حيث الظل هربًا من حرّ الشّمس. والأمر، أنه يتجسس على مالك العمل. هذه الخصال الطفولية كانت سبب مغادرته عمله في وقت قصير.
حكايات الصديق أيوب لا تخلو من نقد ونصح حكيم. وأنا على وشك خطبة امرأة ودخول القفص الذهبي، تشاورنا وأبدى رأيه قائلاً: "تخلى عن الأمر".
اندهشت لسرعة بديهته وذكائه، لم أوافقه الرأي حينها، لكن بعد مُرور أسابيع تراجعت وغيرتُ رأيي. لم تتم الخطبة والزواج، وكان رأيه على صواب.
أما ذكاؤه في التحدث بلغة البلد الذي هاجرنا إليه فكان عاليًا، أُطرب وأنا أراه يتحدث بلغة سليمة وبعفوية تامة.
وإذا مسني الضر وضاق الصدر، فإليه أُهرول لأجده سندًا متينًا لا يمل من مساعدتي. بأدلة مُقنعة وألفاظ لينة يحدثني لتسليتي فتنجلي همومي بكلماته العذبة.
إن أمثاله قلت في وقتنا هذا، لقد طغى حب الدنيا على النفوس، فقل الوفاء والإخلاص بين الناس. وهذا الطيب المسمى أيوب يثبت أن الخير موجود في النفوس الطاهرة. إلى نفسه الخيّرة أهدي أنشودة قصيرة:
كالثَّلجِ في الطُّهر
كلام أيوب يُثلج الصدر
ينعشني حتى آخر السطر
طَيِّبٌ كالثَّلج في الطُّهر
يغسل الروح يُذوِّب القهر
يسقي ورد المودّة فيُزهر
يروي جفاف قلبي فيُثمِر
وهذا طبع أيوب الخيِّر
يَزُور نهري الجاف فينهمر
ما أجمل تعبيرك اتمنى لك التوفيق والنجاح الدائم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.