خاطرة "قياس الأحزان".. خواطر وجدانية

صديقى العزيز... 

ألا ترى أن بعض الناس يبالغون في أحزانهم؟ وقد تطول مدتها، بل قد تتغير حياة البعض كلية بفعل أحزانهم. ففيهم من يعتزل الناس، ومن يعيش حياة الزهاد، وآخرون والعياذ بالله قد يقدمون على التخلص من حياتهم!

يا صديقي...

دعنا نتفق أولًا على أنه لا يوجد إنسان سويٌّ يحب أن يصاحبه الحزن وترافقه الكآبة خلال حياته، وفي الوقت ذاته علينا أن نفرق بين المبالغة في الحزن، والتأثر والأثر الذي يتركه هذا الحزن داخل أي إنسان بأثر فراق الأحبة؛ فدرجات المحبة والحب لهم تتفاوت بما كانوا يفعلونه معنا في حياتهم. وهنا تكون درجة التأثر التي قد تطول عند البعض كلما ارتفعت درجة قربهم لهم وليس قرابتهم.

- ماذا تعني بدرجة قربهم وليس قرابتهم؟

يا عزيزي أليست درجة قرابة الأب لابنه أنه أبوه، ودرجة قرابة الأم لابنتها أنها أمها، ودرجة قرابة الزوج لزوجته أنه زوجها؟ لذا تختلف درجات الحزن بمدى قربهم من بعضهم بعضًا وليس بدرجة قرابتهم.

فلو تأملت حياتنا الاجتماعية لوجدت كثيرًا من التفككات الأسرية غير الظاهرة. فليس كل أب هو أب حقيقي، وليست كل أم هي أم حقيقية، وليس كل زوج هو زوج حقيقي.

- هل تقصد أنهم ليس لهم تأثير في حياة بعضهم بعضًا؟ 

بالضبط يا عزيزي. 

- هلا أعطيتني مثالًا.

تخيل معي زوجًا بخيل المشاعر، بخيلًا في الإنفاق، جافَّ العواطف على زوجته وأبنائه، لا يعرف الرحمة، ولا جبران الخواطر، بالله عليك لو أعطيتك قياسًا لكي تقيس مدى محبتهم له فماذا تكون النتائج؟

ولو توفي هذا الأب هل تتوقع أن تحزن عليه الأسرة؟ قد يحدث بفعل التأثر الوقتي للوفاة، ولكن سوف يزول سريعًا باختفاء أثره من المنزل بعد أيام قليلة.

مثال آخر: لو لديك زوجة محبة لك ولأولادك، وتسعى لخدمتكم، ولا تتوانى طوال عمرها في فعل أي شيء يضفي على سعادتكم سعادة، وتبذل قصارى جهدها لكي تملأ بيتك بالبهجة والاطمئنان، ترى في يدها القليل كثيرًا وتحمد الله عليه، وتطلب منه البركة لها فيه ولأهل بيتها، فإذا مرضتَ كانت تحت أقدامك أمًا وأختًا وصاحبة قبل أن تكون زوجة، تمرضك وترعاك حتى تشفى.

بالله عليك كيف سيكون حزنك عليها؟ وكيف سيترك هذا الحزن أثره في قلوبكم؟ وكيف ستُمحى سنوات عمرك الطيبة التي عشتها معها من ذاكرتك؟ كيف ستُمحى الأماكن التي كانت تشاركك خطواتك وأنفاسك فيها؟ كيف ستُمحى... إلخ من أفعالها الطيبة معك؟

يا عزيزي هنا نعود لجملتنا الأولى، ألم الحزن ومرارته لن يشعر به عند فراقك إلا من كان قريبًا منك وأنت كنت قريبًا منه، بل قد تجد من كان يشيع جنازتك نهارًا ويحضر عرسًا في الليلة ذاتها!

- أنت محق يا صديقي. ولكن هذا هو حال الدنيا، وكلنا على هذا النحو، أليس كذلك؟

بالطبع يا عزيزي. وبما أن هذا هو حال الدنيا إذًا علينا ألا نقيس أحزاننا بأحزان الآخرين، ولا نلوم الناس على مشاعرهم؛ لأن من يحمل المصيبة في قلبه هو من يعيشها بتفاصيلها وليس أنت، وخصوصًا -كما ذكرت لك- إذا كانت هذه التفاصيل تمثل سنوات عمرك بطولها، فإذا كانت طيبة نكتت في قلبك شوكًا وشوقًا وجروحًا وألمًا لن يشعر به سواك.

وإذا كانت عكس ذلك من تفاصيل تحمل جفوة وجفاءً ومودة لم يكن لها وجود فسوف تستشعر وقت مماته أن هذا الشخص لم يكن له يومًا في حياتك أي وجود.

وأخيرًا يا عزيزي لا تنسَ أن أحزاننا مثل أفراحنا تحكمها ثقافتنا الشخصية التي تمثل عقولنا واهتماماتنا وتكويناتنا العاطفية ومشاعرنا الإنسانية.

فكل هذا يتفاوت من إنسان لآخر، بل يوجد حتى من لا يعرف لماذا تُذرف الدموع من العيون، لكنه يذرفها لأنه رأى المحيطين به يفعلون ذلك، وهذه مجاملة الأحزان بفعل التأثر وليس بفعل الأثر الذي تركه فيك من فارقك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع جدا أعترف لقد فاتنى الكثير
اذ لم أقرأ لك من قبل
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

حقيقة اخجلتم تواضعنا....بل فاتنا نحن مروركم الكريم علينا.... شكراً لثنائكم الجميل
🙏🌹🙏🌹🙏🌹🙏
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة