حصار! كلمة تدور في بال ريم.. تحاول استيعابها...
كيف لها أن تعيش حصارًا! لم يأتِ على بالها يومًا أنها قد تعيش حصارًا حقيقيًّا.. على الرغم من أنها كانت تفرضه على نفسها أحيانًا من أجل ألا تختلط بالناس، فتسمع أذيتهم أو شفقتهم بشأن لسانها الصامت، ولكن هذه المرة أمر آخر، فهذا حصار إجباري.
وعلى الرغم من أنها لم تجد شيئًا ينقصها في بيتهم ومزرعتهم لتتخطى حدودهم إلى باقي أراضي جنين، ولكن شعرت برغبة كبيرة في الخروج، فالإنسان يزداد شوقه لما يُمنع عنه عنوة ويتصور أن ما فاته يكون فيه مبتغاه وأحلامه، ولكن قد يكون في الحقيقة أقل بكثير مما يتطلع أو عكس ما يريد...
على كل حال الحصار لم يستمر على هذا الحال، ففي الصباح استيقظوا على دخان حريق كبير، ولكن هذه المرة لم يلتهم فقط الأشجار، بل وصل حتى الدار بسرعة عجيبة على الرغم من هذه الصدمة، انتقلت هي وأمها وأختها الصغرى حنين إلى حجرة الماشية، وأخرجت من جيبها دفترها الصغير وبدأت تكتب...
(هذه المرة أنا أكتب من أجلنا وليس من أجل أن يعرف الناس قصتنا، فالأمور لا تتغير بالناس، بل نزداد ألمًا بشعور الخذلان فيما ظنناهم بشرًا.. هذه المرة أكتب من أجل أن نتذكر هذه الأيام وهذه المشاعر، من أجل أن يزداد احترامنا لأنفسنا بأننا قد عشنا كل هذا ونجونا.. أعلم أننا لم ننجُ بعد، ولكن ظني بالله أننا سننجو..
اليوم هو الأصعب منذ أن بدأ عدوان النجار.. سيدة ومعها فتاتان صغيرتان محاصرين في بيتهم بلا أي إمدادات خارجية... والأمر لم يقتصر فحتى الدار لم يصبح أمانًا.. تنزح الأم بطفلة مصابة الأطراف تحت أجواء شتوية قارسة إلى غرفة الماشية.. أي قلب وأي عقل يتحملون أن يتساوى أُناس مثلنا بالأنعام في حين تغدو وتروح خنازير النجار في أراضي جنين..
وهل هذا ما يراه الجيران لائق بنا حتى يصمتون رغم أنهم يعلمون بالأوضاع؟ على الرغم من غضبي وحزني فإني أحيانًا أفكر أليست الماشية هذه أكثر شعورًا ممن يشاهدون ويصمتون..)
أغلقت ريم دفترها وحاولت أن تتجاهل أصوات تهديد النجار لتنام.
اقرأ أيضاً خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء الخامس
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.