كتبتْ ريم في نزوحها رسالة، ربما تصل وربما لا..
في نزوحي هذا أرتدي فستانًا كحلي اللون بنقوش صغيرة إذا دققت فيها تجدها لطيور.. ربما أنا على صواب وربما مخطئة، فقد تكون هي شيء آخر غير الطيور، ولكن لأنها الصورة التي أحبها في ذهني فأراها في كل شيء أحبه.
كنتُ أودُّ كتابة التالي:
هذا الفستان اخترته بنفسي في رحلتنا إلى مدينة عكا، ارتديته هناك، والتقطت صورة مشهورة لي وأنا أفرد ذراعي كما يفرد الطير جناحيه. كانت من أسعد أيام حياتي؛ رحلة مع العائلة جميعنا كنا هناك، وجميعنا كنا سعداء، كانت لحظة من اللحظات التي تجلب السعادة للروح وتطغى على سيئ الذكريات.
كنتُ أود الكتابة كيف للفستان صاحب الذكرى السارة أن يتحمل هذا الواقع الأليم.. كيف له بعد ما كان يتشبع بهواء عكا ورائحة البحر أن يتشبع الآن برائحة الماشية، ولكن تذكرت شيئًا آخر أكبر عمرًا وأكثر ذكريات، وهما عيناي اللتان كنت أسعى لأملأهما بكل جميل، وكنتُ أشبعهما بالطبيعة؛ لأني كنت أعلم أن عيناي هما نافذة للقلب والروح..
كانت لعيناي الدور الأكبر في المواساة في حياتي، فكنت أغلقهما لأذكر العقل بما التقطه في حياته، فتهون عليَّ بشاعة كثير من الأحداث.
ولكنهما الآن تفشلان، أغمضهما لأواسي روحي، أُجبرهما لتذكير عقلي بما رأيته، لتذكيره بالقبة الذهبية لمسجد قبة الصخري، ولمشهد المصليين في الأقصى، وللأحجار التي بنيت منها مدينة القدس.
أُغلقهما وأغمضهما تارة أخرى؛ لأذكرهما برحلة القارب في عكا، ومنظر مياه البحر، ومياهه الزرقاء التي تتشابه مع السماء، ولسفري بالحافلة وعبوري بالصحراء، ووصولي للمروج الخضراء لجنين، وللطير وانقباضه وانبساطه في السماء، ولمراقبتي للثمر وهو يتفتح على الحياة.
لا أعلم كيف أصبحت عيناي لا تسعفاني، وكيف لم تعد روحي تهرب بهما إلى السماء لتتجاوز ضيق الدنيا!
ولا أعلم أي مشهد قد يبدو آمنًا لي بعد الآن لألتقط منه مواساة لنفسي، وكيف أهرب إلى السماء وقد أصبح الموت يأتينا من خلالها (أي مشهد قد يجعلني أنسى أني عندما رفعت عيناي إلى السماء رأيت زجاجات حارقة تنزل على حقلي وأختي).
أي شيء في هذه الدنيا، وأي نعيم يمكن أن يمحو الحرق والقتل والدمار الذي رأيناه!
اقرأ أيضاً خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء السادس
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.