خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء الخامس

في إحدى المساءات تمشي ريم وحدها حول بيتها تراقب الهلال الذي يصبح بدرًا شهرًا بعد آخر، لكن أمورهم لم تتغير.

ينقص ويزيد وينقص ويزيد، ثم يعود إلى حاله، لكنهم لم يعودوا أبدًا إلى حالهم، لا يزيدهم إلا الألم، ولا ينقص منهم إلا الأمان.

يفرض النجار الحصار عليهم بمساعدة بعض اللصوص من حزبه على مرأى ومسمع من جيرانهم، ولم يحرك أحد ساكنًا إلا أصدقاء أختها أنيسة.

تفكر فيما ترد على رسالة أختها التي أخبرتها بأن أصدقاءها ينشرون القصة في مكان ليوضحوا للناس حقيقة النجار، وكيف تشكر أصدقاءها؟

عادت إلى غرفتها وبدأت تكتب:

من جنين، سلام الله على من أراد لنا السلام.

ربما أعلم أنكم لا تشاركوننا المساحة نفسها، ولا اللغة نفسها، وأن بيننا وبينكم آلاف الكيلومترات، لكنكم تحاولون بكل الوسائل المساعدة دفع عدوان النجار علينا.

وسائلكم سلمية تليق بتحضر الإنسان، لكنكم نسيتم أن بعض الناس لا يليق معهم إلا أساليب أخرى، أعلم أنكم لا تستطيعون الدعم من هذه الناحية، لكن شعورنا أنكم معنا يمثل لنا دعمًا آخر، فشعور المرء أنه يمتلك شخصًا يمثل له دعمًا، ويحاول أن يكون له درعًا يهون عليه جزءًا من المصاب، وأن شعور الوحدة وأن المرء يقاوم وحده وغيره يشاهد ألمه بلا حراك ولا مساندة يزيد الأمور مأساة، وفي كل الأحوال لنا ولكم الله.

استمروا في الدعم ليوم عودة الأمان، لن ننسى موقفكم، ولن ننسى موقف الآخرين، ونحن على يقين أن نجاحنا في المقاومة سيكون درسًا وأملًا للعالمين.

أختكِ الصابرة والصامدة ريم.

أغلقت ريم الرسالة، ووضعتها في الظرف الخاص بها استعدادًا لإرسالها صباحًا، ونزلت لترى أحوال المنزل.

مؤونة المنزل على وشك النفاد، وبئر الماء الخاص بهم سُد بحجارة النجار، يحتاج لفتحه إلى قوة عشرة رجال، بيتهم ليس فيه إلا اثنان، ورجال القرية خارج الحسبان.

على ضوء نيران الحطب تصنع أمها حسناء مناقيش الزعتر وزيت الزيتون، حنين المرحة جدًّا أصبحت كومة من الحزن بلا حراك، ففي غفلة عين، وبحسن نية تفقد الطفلة كل مباهجها، كيف تتحمل طفلة ألمًا لا يطيقه رجال أشداء؟ كيف لإنسان إن كان إنسانًا حقًا أن يسدد كل الهموم إلى طفلة صغيرة مثلها؟ ولماذا ينتقمون من الآباء بالأبناء؟

في استراحة مقاوم يستريح أبوها ياسين وأخوها أسامة في قبو المنزل، يعدون عدتهم، ويفكرون كيف سيوفرون الأمان لهذا البيت؟

ورغم صعوبة الليالي، ورغم أن الواقع يحكي بأن الغد أصعب، لكن ارتسم على وجهها ابتسامة دافئة عندما اجتمعت العائلة على العشاء، ربما كان هذا كل ما تريده من الحياة أن يظل موقد أمها مشتعلًا، وأن تحاط دائمًا بأسرتها، لكن هذا ما لا يريده أمثال النجار.

قبل النوم كتبت عبارة أخيرة في دفترها:

ربما لا أعلم ما في الغد، لكن ليسلم الأصدقاء، ولتدم العائلة والمائدة.

اقرأ ايضاً خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء الأول

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة