خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء الثاني

إنه الشتاء جاء مبكرًا هذا العام على المزارع وعائلته، وقد كان أبناؤه ينتظرونه دومًا بكل سرور وله طقوس خاصة به، لكن هذه المرة كان ضيفًا ثقيلًا زيارته غير مُرحبٍ بها.. لم يفعل الشتاء شيئًا سيئًا لهم، بل النجار اللص الذي جاء مؤخرًا على القرية ليستولي على ما ليس له، هو من جعل الشتاء هذا العام مختلفًا...

هذه حنين ابنة المزارع الصغيرة، ترتبط دومًا في مخيلتها ذكريات الشتاء بعصر الزيتون، وبإنتاجية الزيت، وبطبخ الطعام على الحطب في الحقل كشيء اختياري وترفيهي، ولم يستوعب عقلها أبدًا أن سيأتي اليوم ويكون إجباريًا بفعل وحشية النجار..

فذاك صباح، استيقظت حنين على أصوات تأتي من شرفة حجرتها في الطابق الثاني من بيتهم الكبير المبني عاليَا على إحدى هضبات جنين، ويطل على مزارعهم الخاصة (مزارع الياسين).

لم تعهد حنين هذه الأصوات من قبل، لم تكن تشبه أي صوت من الأصوات المألوفة لها.. نظرت حنين فإذا بشجار يدب بين أخيها الأكبر أسامة وبين النجار، الذي جاء بفأس ليقتلع من أشجارهم.. أصاب النجار جذوع الأشجار ولكنه هرب أمام قوة أخيها، لم يستطع أن يجابهه، ولكن لم تعلم حنين أن في المساء سيعاود لتكون هي ضحيته.. فبطيبة قلبها ظنت أنها يمكن أن تداوي جذوع الأشجار المصابة بدهان زيت الزيتون، فكانت دومًا تسمع من أمها أنه غذاؤهم ودواؤهم..

ذهبت حنين بقنينة زيت زيتون وضمادات، تدهن منه وتلف جذع الشجرة المصابة بالضمادة، كان جل تركيزها التداوي، لم تكن تعلم أن هناك من يراقب المشهد لينتقم من أخيها ووالدها، ولم يرَ النجار فرصة أفضل من ذلك ليصب حقده على طفلة صغيرة ليست بقوة أخيها، فألقى عليها قنينة ولكنها لم تحمل زيت زيتون، بل زيتًا آخر في فوهته ضمادة ليس للتداوي بل للحرق، ألقاها على الفتاة والشجرة الجريحة، ولم يرقّ قلبه أبدًا للمشهد..

(طفلة... شجرة جريحة.. تعمل في التداوي)

ثلاث كلمات تكفي الواحدة منهم لطرد النجار من القرية بأكملها، التي بات ليلها مضيئًا بحرق الشجر وصاخب بصراخ الطفلة... 

- اقرأ أيضاً خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء الأول

- اقرأ أيضاً خاطرة "قنينة زيت زيتون" ج3.. خواطر اجتماعية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة