للمزارع ياسين ابنة كبرى صماء منذ الصغر، مستكينة الحركات كما اللسان، لها رفيقان في حياتها القلم والطير وكأنهم عوض عن الكلمات الحبيسة في داخلها، تكتب ما تشاء عوضا عن لسانها الصامت، وتراقب الطير الذي يتجول في السماء الواسعة، تراقبه كلماتها المحبوسة أيضًا، ولا تحسده هو يتجول وهي هنا حبيسة لا تتحرر إلا بالقلم...
عقب مصيبة أختها حنين، لم تستطع ريم أداء ردات الفعل كباقي العائلة؛ فهي لم تصرخ ولم تتوعد كل ما كانت تقدر عليه هو الكتابة.. أحضرت الدفتر والقلم بدأت لتكتب، ولكن دموعها التي بللت الأوراق كانت المانع، ظنت أنها ستبدأ حينما تنتهي دموعها (بالمناسبة لم تمنع ريم أبدًا دموعها من النزول في أي وقت مضى فهي كانت ترى أنها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن حزنها علانية لأن ما في الصدور لا يعلمه إلا الله).
ولكن هذه المرة قُطع سيل دموعها بفعل صدمة صوت تعرفه ولا تحبه، صوت بندقية صيد والصدمة الأكبر أنها حمامتها تقع قتيلة أمام منزلهم، وأيادٍ تلوح من بعيد تعترف بفعلتها (أيادي النجار) .. لا تدري ريم هل خلت السماء من الطير إلا من حمامتها! وهل خلت الحقول من أشجار إلا من أشجار الزيتون! لماذا يتسلط عليهم هذا النجار الأبله!
تقدَّمت ريم إلى خارج المنزل لتلحق بحمامتها ودفترها وقلمها بين يديها، فريم لديها خاصية التمسك بالأشياء كوالدها الياسين تمامًا..
رأت حمامتها تنزف وسؤال موجه له، ماذا كانت تفعل الحمامة في السماء خارج حدود مزرعتكم؟ لم تجب.. السؤال مرة أخرى ملحوقًا بتصويب البندقية نحوها أجيبيني وإلا كنتِ التالية؟
لم تدرِ أي بلاهة وصل إليها، يعرف أنها صماء ويطلب الإجابة.. يقتل طيرًا يطير في السماء لأنه يتعدى حدوده، وهل للطير حدود في السماء؟ أليست السماء موطن الطير؟ ألم يخلق الله الطير للسماء والسماء للطير....
نظرت إليه ولبندقيته وللحمامة المقتولة وإلى دمائها التي تسيل وتسقي أشجار الزيتون..
وكتبت له الطير لم يتخطَ حدود المزرعة.. فكل سكان المزرعة من بشر وشجر وطير ودواب لا تغادرها، وكيف يهجرون بيتهم! وإن تجولوا في خارج حدودها فجنين كلها لهم!
وإن أصحاب الأرض لا يُسألون عن أفعالهم...
- اقرأ أيضاً خاطرة قنينة زيت زيتون الجزء الأول
- اقرأ أيضاً خاطرة "قنينة زيت زيتون" ج4.. خواطر اجتماعية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.