في إحدى الحقول الممتدة طويلًا على أراضي جنين، تقف شجرة زيتون يلقبونها بالمعمرة، ولكنها لا ترى في نفسها اختلافًا عن باقي أشجار الحقل أو حتى الحقول المجاورة الممتدة من ساحل البحر المتوسط وحتى ضفة نهر الأردن.
تقف بثبات في الأرض بجذور يصل طولها إلى 12 مترًا وبعمق 6 أمتار.
وعلى الرغم أن هذا فقط ما تشغله من حيز الحقول الواسعة، والتي تعد نحو 27 ألفًا من الكيلومترات المربعة، فإنها كانت تشغل أهمية خاصة للمزارع وللأشجار المحيطة، فقد كانت تنتج بثبات كمية كبيرة من ثمار الزيتون.
على الرغم مما مر بها من ظروف بيئية ومناخية صعبة، لم تعبأ أبدًا لقسوة الرياح ولم تنكسر غصونها لها، ولم تفقد قوتها من إعصار ضربها وضرب المحيط بها.. كان لها هدف واحد، أن تظل واقفة وأن تستمر في إنتاج الثمار المباركة التي قال الله عنها (صبغ للآكلين) وألا تحرم أحدًا فوائدها ونفعها.
ولكن لم تكن تقلبات المناخ فقط ما يهددها، بل كان يوجد تهديد آخر لها، وهو نجار جاء حديثًا إلى القرية يضع عينيه عليها من أجل أخشابها، رغم أن الأخشاب تتوافر في أشجار أخرى وأراضي أخرى، وأن الزيتون لا يعوض، وأن المزارع يحتاج إليها بشدة فهي مصدر رزق وغذاء له ولأسرته.
ولكن النجار لم يعبأ أبدًا بطفل صغير، فقد كان يريد الاستحواذ على ما ليس له فقط بصفته أسوأ لص عرفته الأراضي، فأشجار الزيتون مباركة لم يتجرأ أبدا أحد في القرية على كسر أغصانها أو اقتلاعها من أماكنها.
ومع ذلك لم يعبأ المزارع بتهديدات النجار واستمر بالرعاية، ولم تعبأ الشجرة بالتهديدات أن تنتزع من أرضها وأن تُكسر غصونها، واستمرت في الإنتاج.
حتى جاء الخريف وهو موسم حصادها، وقدمت فيه أكثر من 200 كيلوجرام من الزيتون، يستخدم المزارع بعضه طعامًا، لكن الغالب يستخدمه زيتًا يتغذى به ويتداوى به ويهادي به أحباءه.. يرسله لأصدقائه في قرى أخرى في قنينة يكتب عليها زيت زيتون من حقل الياسين تقي به نفسك أمراض القلب والمفاصل والسرطان، وتستخدمه بناتك دهانًا للشعر والجسم.
لا ينتظر المزارع رد الهدية أو المساعدة في الحصاد ولا العصر، بل كل ما يريده في الحياة أن يكف النجار بطشه عنه وأن يتركه وحقله وشجرته المباركة، وأن يغادر القرية ويتركها سعيدة مباركة فياضة بالخير كما كانت دومًا.
- اقرأ أيضاً خاطرة "قنينة زيت زيتون" ج2.. خواطر اجتماعية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.