كتبت ريم في مدونتها الخاصة بعد أن عادت إلى غرفتها...
نحن الآن في هدنة، وصلنا إليها بعد عبور ليال من الظلمات والخوف والفقد والحرق والدمار والجوع والعطش، الوصول إليها كان صعبًا، لكن فرحة الوصول إليها كانت كأنك وصلت إلى الجنة، للوهلة الأولى تنسى ما فقدت وكل ألم، لكن لأنها ليست الجنة تعود وتتذكر ما فقدت، وكيف ستلملم الوضع، ستتذكر حزنك وكل بكاء نسيته بسبب الخوف والسعي إلى النجاة وفقط.
قد يراها البعض من الخارج نهاية العدوان، لكن من يُذهب عن طفلة صغيرة رعب الليالي التي رأتها؟ ومن يعيد إليها أطرافها المفقودة؟ لا أدري كم من الوقت نحتاج إلى أن نتعافى ونعيد ترميم الدار والحقول؟
ثم كتبت ريم جوابًا إلى أختها أنيسة:
سلام الله عليك يا أنيسة...
أعلم أني أطلت الفراق ولم أكتب لك من زمن، كنت أشعر بأن لا جدوى من أي كلام، فقدت الرغبة في كل شيء، كل ما كنت أود هو النجاة بما تبقى سالمًا، لكن ما كنت أعتقده أن هذه هي النهاية.
لكن الآن اكتب إليكِ وأنا آمنة، عادت السماء ساكنة، وعادت الليالي خالية من ضجيج القصف، وعاد إلي التفكير في كيفية إصلاح الغد.
بدأت الهدنة التي أجراها الوالد ياسين مع عصابة النجار، توجد فرحة انتصار في الأجواء وإن كانت مخلوطة بآلام ودمار، يسخر بعض الجيران ويتساءلون: أي انتصار هذا بعد ما خسرناه من أرواح ودار، لكن لدي مبدأ خاص.
لقد كُتب النصر على من يتحمل الضربات، لا من يضربها، كان أبي يضرب أيضًا، وربما هذا ما أوصلنا إلى الاتفاق على هدنة، لكن كان تحملنا أكبر نحن وأمي، نحن مجموعة الأطفال الصغار مع امرأة يتحملون إجرام أشد العصابات إجرامًا ووحشية، لم نتخلّ عن ديارنا، ولا سلمنا شبرًا واحدًا من حقولنا ولو أحرقوا الحقول، فالجذور باقية وستستمر بإخراج الزيتون عامًا بعد عام.
كتبت أنيسة إلى ريم..
كنت حزينة، وكنت أفكر كيف ستكون هديتي إليكِ في ذكرى ميلادك، كنت أود لو أحمل العالم كله وأحضره إليكِ، لكن حينما أنا أفكر وصلتني رسالتك، فأحضرت هي سرور العالم كله إليّ.
لا شيء أشد إدخالًا للسرور علي من علمي بأن العدوان توقف عنكم، وأن الأمان عاد إليكم، أوصلت البشرى إلى أصدقائي، وقررت العودة إلى جنين، أضع خبرات كل ما تعلمته من أجلكم ومن أجل الأرض المباركة، وقد قرر أصدقائي أيضًا القدوم معي في محاولة لتعويض ما فعله الحصار والعدوان بكم.
في المرة القادمة لن نتحدث بالرسائل، بل مباشرة..
عادت ريم وكتبت في دفترها..
هذه المرة عادت نظرتي إلى السماء لعادتها، أصبحت أرى القمر مرة أخرى، وظهرت في سمائي النجوم، وفي النهار أطلقنا الطيور إلى حريتها في السماء صافات ويقبضن..
وعادت خيولنا الجريحة مرة أخرى، لقد كان من ضمن اتفاق الوالد ياسين مع النجار أن يُعيد إلينا ما استولى عليه من خيولنا.
واكتشفت وجود مسكنات للآلام غير التي نعرفها، وهي مشاهد الحرية والعودة إلى الديار.
وإن أكثر مبهجات الحياة عودة الغائب إلى الدار، والالتفاف جميعًا حول المائدة نفسها.
رائعة 👍
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.