وضعَ حبيبتهُ الصَّغيرة لترقدَ بسلامٍ أمامهُ، وهو يبتهلُ ويصلِّي من أجل عينيها اللَّوزيَّتين الجميلتين.
يبكي ويبللُ كفَّيهِ الخشنتين اللتينِ آلمتهما السَّنوات، لتخطَّ بهما مجارٍ تصلُ لأعماقِ نفسهِ الهزيلة.
إنهُ الآن لا يشعرُ بهما، ولا بمشقَّاته ومصائبه...
وربما كانَ كانونُ يثلجُ ليفرحَ قلوبَ النَّاسِ ويرسمَ ضحكاتِ الأطفالِ البريئة!
وكما هوَ لطيفٌ ذو عباءةٍ بيضاءَ متوهِّجة..
كانَ ذو قلبٍ متحجِّرٍ، أصمٍّ عن نداءِ الأجسامِ العارية، والأرواحِ العليلة ...
في منتصفِ ليلهِ السَّاكنِ برداءِ الظَّلام، دونَ أيِّ همسٍ لإنسانٍ أَرِقٍ في حيرةٍ من أمرهِ..
كانَت شعلةٌ متوهِّجةٌ تنطفِئُ شيئًا فشيئًا وعلى وجنتيها المثلجتين ابتسامةٌ عذبةٌ..
تواسي بها عينيّْ والدها المنهكتين من حرارةِ دموع الأسى على زهرتهِ الوحيدة التي تتلاشى نحوَ كونٍ آخر لا وجودَ لهُ فيه..
كانَت تُشرقُ بعينيهِ أكثر كلَّما أظلمَ الكونُ من حولهِ، تركضُ لتحتمي بينَ ذراعيهِ الكبيرتين لتنسيهِ عناءَ يومٍ طويل..
تعيدهُ طفلاً يركضُ، يغنِّي، ويلعبُ بالدُّمى مثلها!
مثلَ أيِّ عصفورين يتراكضان بينَ الحقول؛ ليفوزَ الرّابحُ بينهما بباقةٍ من الأحضانِ والقبلات..
ثمَّ فتى مطيعًا تلاحقُ عيناهُ خطواتَ أُمِّه القلقةَ عليهِ لتدفأهُ وتخفِّف من شدَّةِ مرضهِ الثَّقيلِ عليها..
ترمقهُ بنظرةٍ ملؤها الحنانُ واللَّهفة، ثمَّ تغنّي له لعلَّه ينامُ بهدوءٍ مريح، ليجدها وقد أعياها السَّهرُ الطّويل تتّكئُ على ساعدهِ غارقَةً بنوم عميقٍ مطمئنّ.
هوَ ذا نورُ السَّماءِ يضيءُ العالمَ بوميضٍ خاطفٍ
يسرقُ بهِ روحًا ملائكية من عذابِ الأرضِ وأحكامها القاسيةِ الظَّالمة.
يَعلو صوتُ الموتِ فجأةً مع صراخهِ الأجشِّ المتقطِّع بدموعٍ يبتلعها الموتُ متلذِّذًا بمذاقها المرِّ الأليم.
دونَ رأفةٍ بشيخٍ هرِمٍ تُرك وحيدًا لأنيابِ الأيامِ المفترسة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.