في أول ليلة وصلت فيها إلى تركيا، وبالتحديد إلى ولاية قيصري في 13 سبتمبر 2019، وكانت ليلة جمعة، استقبلني في مطارها المحلي زميل لي من جمهورية السودان الشقيق اسمه «زرياب».
وهو طالب ماجستير مبتعث بمنحة الحكومة التركية لإكمال دراسته بجامعة آرجيس في تخصص العلوم السياسية، وكان له فضل عليَّ في تعريفي بملامح الحياة في قيصري، استعرض لي فيها سُكناهم، ومطاعمهم، وأسواقهم، ومكاتبهم الحكومية، ومواصلاتهم، إلى غير ذلك من أمور الحياة التي يجب عليَّ معرفتها للتأقلم معها.
كانت أولى محطات التعريف تلك ما يسمى (ترام فاي) قيصري، وهي سكة حديد للتنقل بين أحياء ولاية قيصري، التي تتنوع تضاريسها بين المدنية والريفية كلما انتقل بك المترو -أو كما يسمونه (ترام فاي)- من مكان لآخر.
في صباح يوم الجمعة 13 سبتمبر، وبالتحديد الساعة التاسعة صباحًا، ووسط وحشة الغربة، وعدم الإلمام باللغة التركية حينها، انتظرني زرياب وقد كان منظره جميلًا إذ يرتدي البدلة الرسمية كما لو كنا ذاهبين لزيارة رسمية.
أما أنا، فإجهاد السفر لم يجعلني أتمتع بالنوم، ولم أفكر بتغيير ملابسي التي لبستها أول مرة منذ مغادرتي من المدينة المنورة عبر الخطوط التركية، فقد كنت ألبس حينها قميصًا وسروالًا ماركة أديداس، وكان لبسي رياضيًّا وليس رسميًّا.
نزلت لمقابلة زرياب، وتجاذبنا أطراف الحديث عن طبيعة قيصري الخضراء وجمالها، فأخبرني بأنهم دشنوا حملة لتشجير الولاية في محاولة لصنع بيئة نقية.
سألته عن المنطقة التي نزلت بها، وإلى أين سنتجه، فقال لي: أنت في حي الصحابة رضي الله عنهم (بالتركي: صحابة محلا)، وأخبرني بأن وجهتنا ستكون عبر الترام فاي إلى المنطقة الجامعية المعروفة بآرجيس، وبها جامعة آرجيس.
استغرق السير نحو المحطة قرابة 10 دقائق مشيًا، وكان الجو معتدلًا بدرجة 16 مئوية، وعند وصولنا لبوابة المحطة المعروفة بمحطة "البلدية" نسبة للمبنى المركزي للبلدية الذي يقع ضمن المنطقة، أخرج زرياب من جيبه بطاقة ذكية ومررها على بوابة المحطة، ثم مر، ثم أعاد تمريرها مرة أخرى على البوابة لكي أمر، والبوابة أشبه بحاجز حديدي يوضع عادة في الدوائر الحكومية عند دخولها.
أخبرني زرياب بأنه يوجد نوعان من البطائق للركوب، بطاقة الطلاب وتشمل 140 رحلة شهريًّا بقيمة 70 ليرة، وبطاقة للجميع بقيمة 1.2 ليرة لكل رحلة ، مع رحلة مجانًا مدة ساعة بعد انتهاء الرحلة السابقة.
نزلنا عبر الدرج الكهربائي لأسفل المحطة، حيث مقاعد الانتظار، فجلست وزرياب بأحد المقاعد وبجوار امرأة مسنة يبدو على وجهها حكاية تريد أن تقولها كلما التفتت إلينا، وكانت تطالع فيَّ عدة مرات، وقالت بعدها عبارة (تشك جوزل: جميل جدًّا) وضمت أنامل يدها الخمسة، وكانت مبتسمة، فأخرجت مسكًا من حقيبتي الصغيرة، وطيبتها على ظهر يدها، وطيبت كذلك زرياب.
ثم قال كلام لم أفهم منه حرفًا واحدًا، ثم طالعت في وجه زرياب وقد اختفت الابتسامة من وجهه، فسألته عن قولها، فقال لي: تقول إن الشباب والبنات هنا لا يحترمون الكبير بمجرد رغبته في التحدث معهم، حتى لو ابتسم لهم.
كان بالنسبة لي الأمر غريبًا وتوجهت بالسؤال لزرياب عن مدى صحة هذه الظاهرة، فأخبرني أن الطبيعة التي يعيشها الأتراك لا يزال فيها شيء من التأثر بالثقافة الغربية، حيث البحث عن المصلحة فقط، وتحاشي القيم، كما يعرف بالبراغماتية.
وبعد ربع ساعة من الانتظار، وصل الترام فاي، وصعدنا به، وكان شبه خالٍ، فقعدت أنا وزرياب بأحد المقاعد، وكان معي قطعة شوكولاتة وقارورة ماء، وقد أنهكني العطش، إذ إنني لم أعرف يوم وصلت السكن ماذا أقول لحارس السكن، فكلمة ماء بالتركية "Su".
عند ما هممت بشرب الماء، التفت لي بعضهم بنظرات غريبة، فاستغربت، فالتفت إليَّ زرياب مباشرة، وأخبرني بأن الأتراك يكرهون الشخص الذي يتناول شيئًا في أثناء ركوب الترام فاي، وطلب مني ألَّا آكل وألَّا أشرب حتى نغادر الترام فاي، وأخبرني أنهم يكرهون التحدث لبعض في الترام فاي، فنظرت إلى كل من في الترام فاي فوجدتهم صامتين، وبعضهم قد ربط سماعة الأذن بجواله لينشغل بها خلال هذه المدة.
كنت أطالع في جميع الوجوه الموجودة بالترام فاي، فقد كانت ألبستهم تحكي عن طبقاتهم الاجتماعية، بين الريفي والحضري، وبين المحافظ والمنفتح، وبين الصغير والكبير، وبقية المتناقضات المجتمعة تحت سقف الترام فاي.
استغرقت الرحلة بالترام فاي ربع ساعة، وكلما مررنا بمحطة يصدر صوت روبوت نسائي يتكلم بعبارات لم أفهمها، فأخبرني زرياب بأن المقصود من ذلك قولها: وصلنا لمحطة كذا... وستكون رحلتنا للمحطة كذا، وظلنا على هذه الحال حتى وصلنا آرجيس، فذهبت للتسجيل في معهد اللغة التركية حينها، ثم أداء صلاة الجمعة، فلما أنجزنا كل شيء، تركني زميلي زرياب مع أحد الشباب اليمنيين الذين التقيتهم في المسجد بعد الصلاة، وهو من طلبة البكالوريوس واسمه «عبد الله» ويدرس الطب.
توجهنا للمحطة ذاتها بعد نصف ساعة تقريبًا بعد الصلاة، وقد اكتظت المحطة بطلاب وطالبات الجامعة، بين قائم وقاعد، إذ يتوقف الترام فاي كل ربع ساعة في كل محطة.
وبينما دخل زميلي عبر البوابة ببطاقة الترام فاي، وأراد أن يدخلني ببطاقته لم تقبل البوابة، فقد كانت بطاقته الطلابية لا تسمح لغيره أن يدخل حتى مرور 10 دقائق، فتفاجأنا بأحد الطلاب وهو يبتسم تجاهي قد مرر بطاقته على الحاجز الحديدي لكي أمر، وكانت بطاقته من النوع العام المتاح للجميع.
سألت زميلي اليمني عن ذلك، فأخبرني أن الأمر موجود بغالب المجتمع، إذ لا يتركك في مكانك دون أن يساعدك ببطاقته.
كان الأمر غريبًا عليَّ بعض الشيء لأفهم طبيعة هذا المجتمع.
وبمجرد وصول الترام فاي، وانفتاح أبوابه، الكل يقف على جانبي الباب لإعطاء فرصة للخارجين، قبل الدخول، وبمجرد الدخول وجدت الترام فاي مملوء المقاعد، فاضطررت للإمساك بأحد الأسورات المعلقة على سقف الترام فاي.
وبينما أنا كذلك، أقبلت امرأة مسنة، فرأيت أحد الشباب قام من مقعده وأجلسها مكانه، فقلت لزميلي اليمني: هل أمر هذا الشاب يعد تصرفًا فرديًّا أم أنه ظاهرة عامة؟ فأجابني أنها ظاهرة عامة موجودة حتى بالباصات الحكومية.
كما وجدت مساحة فارغة تواجه بوابات الترام فاي من أجل عربات ذوي الإعاقة الحركية أو لعربات الرضع.
ومما شدني أن الزحام المروري غير موجود بكثرة، فسألت زميلي وكان واقفًا بجانبي عن سبب ذلك، فأجابني أن غالب طبقات المجتمع الدنيا والمتوسطة اقتصاديًّا يرتادون الوسائل العامة، نظرًا لغلاء أسعار البنزين وفرض ضرائب سنوية على قطاع المركبات.
وبينما أنا أطلق بصري بأنحاء الترام فاي، لاحظت وجود اختلاف بين البنات الموجودات في الترام فاي، إذ إن الغالبية لا تستخدم مساحيق التجميل التي تشتهر بها الأسواق العربية، حيث الرواج للمنتج التركي، فقلت لزميلي وأنا مبتسم: لماذا قليل من النساء هنا يستعملن المكياج؟
فأجابني بابتسامته ضاحكًا: أن الغالبية من بنات قيصري ريفيات، وقليلًا منهن حضريات، وبنات الريف معتادات طبيعتهن الخلقية في الظهور.
كان ذلك الحديث بصوت منخفض خشية أن يلتفت إلينا أحد منهم، إذ أخبرني زميلي أن بعض أفراد المجتمع لديه عقدة من العرب، فلو عرف أنني عربي وأتحدث لزاد امتعاضه مني.
لقد كانت تلك الجولة إرشادًا سياحيًّا عن طبيعة هذا المجتمع في محطة الترام فاي، وما يجعلني أضع تفسيرًا لسر الانتظام في ما بينهم أنني ذات مرة كنت أحكي مع أحد الرجال المسنين بقيصري، والعم عبد الله الرفاعي هو من حلب، وقدم لقيصري مع أسرته سنة 2011 بفعل الحرب الأهلية بسوريا، وسألته عن سر الانتظام لدى الأتراك، فأخبرني شيئًا عجيبًا لم يخطر على البال.
وقال لي: يا بني إن الأمة التركية أمة متناحرة من القديم، فقبل وبعد الإسلام هم على ذلك، إن أيقونة الوحدة التركية ليست حزب العدالة والتنمية كما يتصور بعض الأشخاص بوسائل الإعلام، إن الأيقونة الحقيقية هو مولانا جلال الدين الرومي الذي أشاع فيهم قواعد العشق الأربعين التي ألفت ذات بينهم، ثم أشار إلى مفتاح الكهرباء وقال لي: لو دخلت أي بيت تركي ستجد أن نظام تسليك الكهرباء ومفاتيحه موحدة، حتى بيوتهم تعبر عن وحدتهم في الانتظام، فما بالك بالترام فاي؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.