لم يخطر في مخيلتي يومًا أن أقضي مدة طويلة في المستشفى مرافقة أو مريضة.
لطالما ارتبط المستشفى في خيالي بالولادة أو بحلم وطموح، لطالما راودني ولم يسخره الله لي على الرغم من دراستي لأحد مجالات الطب.
لم يخطر في بالي تجربة نهار المستشفى الذي يبدأ من ساعات الصباح الأولى من السابعة صباحًا، ذاك النشاط الذي يوحي بأن لكل دقيقة أهمية.
ولم يمر عليَّ يوم بطول أيامي التي قضيتها مع ابنتي شفاها الله.
ويا اللّه كم يطول الليل، إنه حقًّا لا ينتهي!
آلام الليل، جرعات المضاد ليلًا، صراخ المرضى، وفواجع الليل.
لقد مررت بليالٍ لا تُنسَى، بها ما يشيب له الرأس، مصائب البشر حقًّا قد تخفف عليك مصابك.
ما يؤلم حقًّا هو أولئك المرضى الذين يفتقدون المرافق، تخيل أنك مكسور لا قدره لك على الحركة ولا تجد من يسقيك الماء، إن العائلة المترابطة هي إحدى نعم الله يؤتيها من يشاء.
وفي أروقة المستشفى رأيتُ ما لم أره أو أسمع به إلا عبر شاشات التلفاز، بدءًا من الوساطة والمحسوبية ونظام أعرفه ولا أعرفه.
إلى إهمال الأبناء للآباء والأمهات، من ترابط الشعب وكأنهم إخوة وقت الحاجة، إلى إحساسك بأنك وحيد على الرغم من وجود كثيرين من حولك.
من معارف أخجلوني باهتمامهم إلى أحباب أحاطوني برعايتهم، ومن خذلان بعض الأقارب إلى دعم الغرباء ممن جمعتنا بهم أروقة المشفى.
يا إلهي كم من دروس تعلمتها هنا!
كم من مواقف وأحداث علمتُ بها عن جوانب في شخصيتي، صدمتني فأحسست وكأنني لست أنا!
وللغرابة أحببتُ تلك الجوانب، أحببت صبري وتلك الحكمة الغريبة عني.
اكتشفتُ بأنني كبرت جدًّا عن تلك الطفلة التي لا تُبالي، الأنانية المدللة، آخر العنقود كما أُسمي نفسي في هاتف أبي تدللًا..
يا إلهي لقد علمت الآن معنى النضوج، وحقًّا في كل ابتلاء من ربي تصقل روحي، كل تلك الصفعات والمواقف والسقطات غيَّرتني، وكم أدركت نِعمًا كنتُ أغفل عنها!
وأدركت حقًّا كم أن مهما فعلنا لأمهاتنا لن نرد لهن من تعبهن معنا حتى بمقدار ذرة.
في أروقة المستشفى:
تألمت.. تعلمت.. تعرفت وصادقت.. كبرت.. وكثيرًا تغيَّرت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.