خاطرة "فلسفة الموت".. خواطر اجتماعية

كل واحدٍ منا لديه فلسفته الخاصة عن الموت، وبعض الأفكار الخاصة حوله، ولماذا يجب أن نخاف من نهايتنا.

لنعد بالزمن للوراء، إلى المكان الذي جاب فيه الفلاسفة الأرض، نجد أنفسنا في أثينا الكلاسيكية، في مدة عاش فيها سقراط وأفلاطون، وكان ذلك هو وقت الإنجاز الفكري العظيم وكان يشكل الأساس المتين للفلسفة حتى يومنا هذا.

نحن محظوظون لأن لدينا العديد من أعمال أفلاطون الباقية،التي كتبت عن حياة سقراط وفلسفته في سلسلة من الحوارات.

نرى أن الموت ينظر إليه على أنه سبب وجود الفلسفة، الموت هو ما يدفعنا نحو تحقيق أهدافنا، مما يساعدنا على تقدير أحبائنا ويختتم قصتنا، وأن مسيرتنا نحو الموت هي التي تجبرنا على التفكير في الطريقة التي يجب أن نحيا بها، وعلى النقيض من ذلك كيف يجب أن نموت.

حينما يفارقنا عزيز بالموت نبكي عليه ونحزن؛ لأنه الفراغ الذي تركه لا يمكن أن يسد فجوته أي شيء آخر، لكن بمضي الليالي والأيام والسنوات نحاول نسيانه، وهو شيء لا بد منه ونتسلى بأمور أخرى وذلك من أجل ديمومة الحياة..

وعلى مر التاريخ كان موت الفلاسفة والعلماء والمفكرون، فحزن عليهم محبيهم وذويهم أيامًا معدودة، ثم طواهم  النسيان، وعندما يأتي أجلي وأغادر الحياة، ربما ستنساني أسرتي في الأسبوع الأول من مماتي، هذه هي سنة الحياة.

اعتقد أبيقور أن خوفنا من الموت هو أسوأ خوف نواجهه في الحياة لأنه يسود أفكارنا ونحن على قيد الحياة. وفقًا لأبيقور، فإن خوفنا من الموت يمنعنا من العيش لكي نعيش بشكل لائق وسعادة يجب أن نتخلص من الخوف من الموت.. لكن كيف نفعل ذلك؟

ويعلمنا الموت أن نتسامح ونتجاوز ونغفر الزلات ونمحو الأخطاء ونتجنب كرهنا لبعضنا البعض، وأن نصل الأرحام ونساعد المحتاج والفقير..

الموت هو سنة مؤكدة وكل منا في نهاية المطاف سوف تخرج روحه إلى بارئها، غدًا سنكون جميعًا مجرد ذكرى فقط، وكم تشتاق أرواحنا وهي عطشة لمن فاروقنا في طفولتنا وصبانا وشبابنا، ولا نعلم متى سيحين دورنا في سباق الموت.

ونلاحظ أيضًا اهتمامًا كبيرًا بقضية الموت من ناحية الدين، وفي ذلك ذكرت كلمة الموت ومشتقاتها في القرآن ١٦٥ مرة. وفيها تذكير الناس بالموت والاستعداد له ونصحهم بالإفلات من مغريات الحياة الدنيا ما دامت ستنتهي بالموت (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) .

وقد خلق الله الموت وله حكمة بالغة ومصلحة عامة وخاصة، والموت هو باب وكل الناس داخلوه والأجل هو ذاك المفتاح ومفتاح الأجل بيده سبحانه وحده لا أحد له القدرة على استعماله إلا بإذن الله.

يعتقد الفيلسوف الألماني هايدجر بأنه يجب على الموت ألا يكون هاجسًا وجوديًا يقضي مضاجعنا، فنحن نصنع حياتنا وننسجها من أحداث صغيرة جدًا، وهذه الصغائر نفسها تمتلكنا وتشغل طاقتنا الوجودية، وهذا يعني أنه لا يجب على الموت أن يحدث الفوضى والعدمية في انساق حياتنا ووجودنا..

إن التفكير الدائم إزاء الموت سيكون أشبه بكابوس مرعب يتميز بطابع الديمومة والاستقرار ويجعل من حياتنا عذابًا لا يتوقف إلا بالموت ذاته، ومن هذا المنطق فإن فكرة تجاهل الموت وعدم التفكير فيه وغير المبالاة بمواجهته تشكل استراتيجية عقلية لا شعورية تسمح للإنسان بمتابعة حياته الطبيعية دون خوف أو وجل.

فالحياة هنا حياة عقلية ذهنية خالصة تحررت من كل أشكال القهر الفيزيائي وعبوديته فالموت هنا يعني موتًا فيزيائيًا.. بالمعنى الواسع للكلمة والحياة هي حياة روحية خالصة، وهنا في هذه الحالة يتقاطع مفهوم الموت مع مفهوم الحياة فيجدا تأملي من طبيعة فلسفية نادرة..

إن العلاقة بين التفكير في الحياة والتفكير في الموت علاقة جوهرية في آن واحد، والتفكير في الموت يؤلمنا ويحزننا، وبرؤية أفضل نقول: أي داخل تفكيرنا، في عمق الأنا الذي يحركنا هناك خوف من الموت ورفض له، وهذا يقودنا إلى ما هو أبعد من الموت أي إلى ثنائية الجدل بين الحياة والموت في اتجاه الحياة المطلقة الأبدية.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة