فتحت عينيّ بعد أن داهمت مسامعي آيات كريمة من القرآن المجيد تتلى عادة قبل صلاة الفجر في مرقد الإمام الكاظم (ع) كان صوت قارئ هذه الآيات قويا وشجيا مما جعل الحركة تدب في أعضاء جسمي أسرعت بالنهوض حيث أني قد شددت العزم على السفر في هذه الصبيحة التموزية.
وبعد لحظات غادرت داري المتواضع مرتحلا رجلاي وما أن صرت ببحر الشارع حتى بدى على يميني جمع غفير من الناس الذين يروموا أداء الزيارة لمرقد الإمام، وعلى الرغم من إن المسافة لم تكن بالقريبة إلا أن أصواتهم وحركتهم قد زادت همتي في المسير.
وبعد خطوات من اجتيازي للشارع اعتليت الرصيف سائرا ومعي صاحبي الذي لا يفارقني ليلا ونهار إلا هو القلق وبعد خطوات قلائل رأيت على يساري طفلاً يقارب العاشرة من العمر أو أكثر جالسًا متفكرًا قرب أحد المحلات المقفلة طبعا وبنظرة خاطفة له قرأت من هيأته لربما صفحة واضحة من معاناة وتعاسة هذا الطفل كان جالسا متفكرا وكأنه قد تجاوز الستين من العمر، حافي القدمين لم يكن ممزق الملابس، لكن يبدو واضحا إن الماء لم يلامس جسده ولا ملابسه لعدة أيام وفي هذا الحر الزمهرير.
واصلت سيري مبتعدًا عن هذا الطفل الهرم سارعت في خطاي متفكرًا في هذا التناقض الحاد بين حال هذا الطفل ومئات من أمثاله من صغارًا وكبارًا لربما في حالة أشد رثة من هذا الطفل وبين هذه المحال التجارية المترفة والفارهة التي يباع فيها أغلى ما على الأرض من معادن وأحجار والطرفين يجدون ضالتهم من الرزق في هذا المكان بالذات.
وكأني بهذا المكان كالغدير وهؤلاء قد جاؤوا ليستقوا منه. واصلت سيري وفي ذهني شرود من هذه التناقضات والتي تتوالى أمامي ها أنا أرى الكثير ممن افترشوا الأرض والأرصفة وبلا مبالغة إن من يراهم وهم نائمون وقد طغى على لونهم ولون ملابسهم ومهما تعددت لون الرصيف فإنك لا تميزهم عن لون الرصيف إلا بكتلة جسدهم النحيف على الأغلب.
وبعد مسافة لا بأس بها وصلت الى بائع الكبة (أكلة شعبية) كانت عربته معدة وقدر الكبة التي لا تستهويني يغلي في وسطها وعندما نظرت إليه كان جالسًا على أريكة كبيرة ممدًا ساقيه وفاتحا فمه قليلًا والمهم في الأمر أني لم أرى في وجه هذا الرجل أي همة ونشاط أو حتى بريق أمل الذي يتولد على من يبدأ عمله الحر، والذي يلاقي رواجًا وبلحظات ابتعدت عن العربة وبائعها واعتليت الطرف الثاني من الرصيف وبعد خطوات تراءت أمامي عائلة عبارة عن امرأة في العشرين أو الثلاثين من العمر مع عدد من الأطفال الصغار وهم كالعادة مفترشين الرصيف ومن هذه الصورة داهم ذهني هذا التساؤل أرى أناسًا من لحم ودم وروح كرمها الله عز وجل قد ساقتهم مقادير وأيا كانت هذه المقادير أن يحتضنوا قارعة الطريق مبتذلين دون سقفا يقي أو جدارًا يحمي أو حتى حجاب وحول هؤلاء أرى المحال التجارية وقد أقفلت بأحكام وقد بولغ بالأقفال عددًا وشكلًا وهذا التساؤل هو هل ما ورد مسامعي من أن كل شيء غالي إلا البشر في هذا الزمان وخصوصًا في هذا المكان وهل ما رأيت الآن هو الدليل على ذلك؟ نزلت في ساحات النهضة والتي فيها موقف السيارات التي أروم السفر بها...
أول ما صادفت ولفت انتباهي هو حالة تلك الفتاة التي كانت تجمع وتلم أغراضها بعد ما قضت كل ليلتها في بيع الشاي على قارعة الطريق وهذه الحالة شاذة وطارئة على مجتمعنا وهي جعل الفتيات يبعن الشاي والأطعمة على الرصيف والأماكن المزدحمة بعد ما يتبرجن ويظهرن مفاتنهن لقد كانت هذه الفتاة منهمكة بعملين الأول هو جمع أغراضها والثاني هو مواصلة الحديث والضحك مع عدد من الشبان الذين يداعبونها بالكلام أملا برضاها وكان ما يبدو عنهم من أصوات وحركات هذه الصورة والتي إن صح التعبير كأنهم الذباب يرقص ويصدر طنينه حول تمرة قد نضجت.
رائع لكنه حال الكثير
شكراً صحيح مع الأسف
هذا أصبح الوضع الطبيعى للكثير
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.