خاطرة "غدا".. خواطر حزينة

غدا.. غدا..

نسي المسكين فجأة واقعه، فراح يضع في مخيلته أساسات لقصور شامخات وينهي بناءها في لحظات..

غدا، ستعلن نتائج الامتحان، فيكون أحد المتصدِّرين قوائمها..

أي غدا ستفتح له السَّعــادة أوسع باب لها، وتفرش له حضنها وروداً وحريـراً، وتضمّه إليها الضمَّة الأولى في حياته.. حياته هذه التي صبَّت عليه لعنتها، فأغرقته في بحار مشاكلها وجرَّعته كؤوس تعاستها وحرمانها وأطعمته مرّ بؤسها وشقائها.. وذلك بداية من رحيل والده وهو في حضن والدته، ومروراً بسنوات اليتم والفقر والتشرُّد، هذه التي عاشها، ووصولاً أخيراً إلى هجران أقاربه وكلّ النّاس له ولوالدته..

غداً، سينتهي كلّ هذا..

غداً، سيطوي صفحة ويبدأ صفحة. صفحة مختلفـة تماماً، صفحة بيضاء لا شيّة فيها..

غدا، سيكون يوما آخر. سيكون أوَّل يوم سيضحك فيه، ويكفي أن يكون أوَّل يوم لن يبكي فيه..

غداً.. غداً..

هكذا نسي المسكين فجأة واقعه وجهل، أو تجاهل، أنّ الحياة لا يمكن أن تتبدّل بهذه البساطة، فينقلب في طرفة عين من شاك باك إلى مسرور سعيد.. نسي أنّ هذه هي حياته التي أرادها له قدره وجهل، أو تجاهل، أن رأي القدر لا يتغيَّر..

نسي كلّ هذا وجهله، أو تجاهله، فراح يترنّم، غدا.. غدا..

وجاء الغد، ولم يتصدّر اسم صاحبنا قوائم النّاجحين، أو حتَّى تذيّلها..

أليس هذا كافياً لتتزلزل له القصور التي شيّد في مخيلتـه، فتخرّ سقوفها دكّا، ويعود بدلها إلى ذاكرته ما نسيّه وجهله، أو تجاهله؟

كلاّ.. إنّ قدره الذي أراد له هذا، كان ينتظره بمفاجأة أخرى...

وببساطة، اختطف منه المنون ذات اليوم، آخـر قشّة بقي متعلِّقاً بها في بحر دنيا المتلاطم، والدته.. هكذا ببساطــة، كما قال الطَّبيب ببساطة معلَّلا سبب الوفاة، صدمة قلبيَّــة، وكما قال هو ببساطة مجيباً على سـؤال أحدهم، والدّموع تصنع أخاديد على خدّيه:

لتدفن غدا.. غدا..

 

اقرأ أيضاً

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة