خاطرة "عن دموع الرجال".. خواطر حزينة

سمعتُ عن أن دموع الرجال غالية، ولكني لم أرَ ولم أسمع بدمعةِ طفلٍ أغلى من دمعة رجالٍ إلا في غزة، فتًى لم يبلغ الخامسة عشر من عمره يحكي مأساة عائلته من لحظة انتشال جثمان أخيه الشهيد وأبنائه الأربع إلى معاناتهم في مخيمات النزوح من البرد وندرة القوت.

يقول: “في اليوم علبة فول وحدة، فش خبز”. يحكي عن مرض أمه وكيف سعى بها من مستشفى لمستشفى، يقص علينا ظروف المستشفيات التي ذهب بأمه إليها..

فيقول: “النازحين أكثر من المرضى، المرضى مرميين على الأرض، الأكسجين خلص من عند أمي وهي في غيبوبة، حتى الإسرنجة مفش الدكتور من حرقته ببكي” وهو الفتى ذو الثلاثة عشر عامًا يحكي كلَّ ذلك وبين الكلمة وأختها حمدٌ وثناء على الله سبحانه في صبرٍ وإباء، وإيمان وتجلُّدٍ لم أسمع بمثله، ولا قرأت إلا في أخبار السنوات الأولى من البعثة، أيام عمّار وبلال، وسميّة، والخباب، وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، أيام شِعْب أبي طالب.

لم تدمع عيناه دمعة واحدة، وهو يطالبُ بحقه في الحياة الكريمة كباقي البشر، كباقي أطفال العالم. يشكو الخذلان، ولا يطلب العون إلا من الله.

وقد قال كلمةً هي والله حق، يقول: “إحنا بنحررها إذا مفش حد وقف معنا، إحنا بنحررها بس إذا بنشوف حد هويته مش فلسطيني ما هيشوف منا خير. فلسطين والأقصى إلنا إحنا وبس”.

كلماتٌ يقولها بقلبٍ جسور، ليس بقلب طفلٍ ولا بقلب فتًى، بل هو قلبٌ من الرجولةِ الخالصة التي لم يخالطها إلا إيمانٌ خالص، فأطفال غزة رجالٌ تواروا في هيئةِ أطفال.

وفي آخر المشهد، جاء أبوه ذا الخمسة والسبعين عامًا يلخص القصة بأحزانها، وهو يحتضن ولديه، فيذكر الدمار الذي أصاب الميناء ومراكب الصيد التي كان منها مركبه، ولكل صاحبِ مركبٍ قصةٌ لم تروَ، إلى أن قال: “مين بتمنى غير الحياة الكريمة؟! هدول الإصغار وين أروح فيهم؟!” ثم بكى بحرقة موجعة، ضم ولديه إلى صدره، قبّلهما، فجاءت دمعةُ ذاك الفتى الذي كان يقف عن يسارِ والده، ذرف دموعًا خرجت رغمًا عنه، لما رأى دموع أبيه تترقرق في عينيه.

مؤلم أن ترى هوان أبيك على الناس، مؤلمٌ والله مؤلم!

أفليست هذه الدموع أغلى من دموع رجالٍ ملؤوا الدنيا بأجسامٍ ليس فيها من الرجولة إلا صفات الجسد؟!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة