أن تتجاوز.. وما أدراك ما التجاوز؟
في الحقيقة عجزت عزيزي القارئ عن البدء في كتابة المقال، لا بسبب حبسة الكتابة، ولا لقلة عيش الحالة، ولكن بسبب الحيرة، من أين أبدأ؟ وكيف؟ وعن أي التجاوزات أتحدث؟ هل أتعمق في تلك التجاوزات الشخصية؟ تلك التي تمس الذات أم تلك التي لم أقبل بها لأجل من أحبهم؟
وحين لاح لي من أحبهم تراكم الكلام ككومة رمل أو قش في جوفي، فقد بدا لي أن التجاوز في حق نفسي سهلٌ أمام التجاوز في حق من أحبهم، يؤلمني التجاوز في حق الأبناء مثلاً، والوالدين، والزوج، والاخوة، وأعز الناس، والخلان، والأصحاب.
هل تدرك الوضع عزيزي القارئ؟ هل تفهم صعوبة الحضور بقلب وعقل خاليين من مواقف مؤلمة وقعت على من أحببتهم وأدمت فؤادك مثلهم، ولكنها في الحقيقة لم تمسك أنت شخصياً، ولم تتعد مقامك ومكانك.
هل تعي كيف عليك التظاهر بعدم المعرفة؟ بغياب الحقيقة؟ هل تدرك كيف يتشبث الكلام بالحنجرة ويأبى الهبوط للمعدة حين تسمع نفاقاً، أو كذباً، أو وصفاً يخالف ما عرفته ويوافق ما تم التجاوز فيه عمّن أحببتم؟
لِأَكُن صريحة جداً معك يا من لا زلت تقرأ هذه الأسطر، هذا النوع من الحضور صعب جداً، ولولا أن فيه رأباً للمشكلات، وإغلاقا لباب التصدع، وتحقيقاً للسلام الجمعي، لما خفّ التجاوز ولا صلح الحضور.
لذلك أسعى لتهدئة الأمر مدركة أن التجاوز يتطلب الكثير من الوقت، ومن زاوية أخرى مؤمنةٌ أن كل ما علينا فعله أمام المصاعب وغير المهضوم هو التجاوز، فلا الجلوس على الأطلال برفقة الحزن والتشكي يليق بالمرء الناضج، ولا الميل للوهم وإن كان حلواً بأمر يسير ومستساغ، فوميض الحقيقة أولى بالاتباع، فلا تؤذ نفسك أكثر، ولا تجلب لقلبك شيخوخة مبكرة، فالحياة لا تحتاج منا إلا الاستسلام للأقدار والرضا بها والتجاوز عن تلك الجروح العميقة وأنامل أصحابها التي غرست فينا وفي أفئدة من نحبهم، صدقني يليق بفكرك أن يستجيب لقوله تعالى: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم" فالتجاوز والارتفاع فوق الأشياء والتغافل والسير والاستمرار من دروس الله لنا، لذلك تجاوز فالذي خلق الصعاب هو نفسه الذي هداك وأقدرك على التجاوز، ثق به وسر في طريقك آمنا، وتجاوز وسامح.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.