إنها المرة الأولى التي أراسلك فيها. لأنها المرة الأولى أيضًا التي لم نعد نحن كما كنا عليه من قبل. لا نتحدث كثيرًا، بل ولا نتحدث أبدًا، متفرقين عن بعضنًا بعضًا كما شاءت الحياة وفرقت بيننا.
عزيزتي سلوڤانة.. أعلم أنه لا شأن لنا فيما حدث، ولكني أتساءل دومًا ماذا فعلت بنا الحياة؟ ولماذا كُتب علينا أن نفترق وأنا ما زلت أحبك وأنت ما زلتِ تحبيني؟!
أصبحتِ بعيدة عن ناظري لا عن قلبي، أكتب إليك وأنا أفتقدك كثيرًا جدًّا، أفتقدك أكثر من جميع الأشياء التي أفتقدها في حياتي كما لو أنني لم أفتقد شيئًا من قبل.
الحياة من دونك بائسةٌ وباهتة جدًّا ليس لها معنى ولا جدوى منها، فقدت جميع الأشياء بريقها، لم تعد الشمس لامعةً ولا القمر جميلًا كما كان من قبل، عادت كل الأشياء كما كانت عليها قبل أن ألتقي بكِ.
لم يعد لديَّ رغبة في الاستيقاظ من النوم والنهوض من الفراش وأنا أعلم بعدم وجودك، تلك الرغبة المتجددة والملحة في أن ألمس ملامحك البريئة جدًّا كلما رأيتك لم تعد تلاحقني ولم تعد من ضمن حقوقي الآن؛ لأني لن أراكِ مجددًا كما كنتِ -حبيبتي- لا أستطيع أن أراكِ سوى حبيبة، لا عقل لدى قلبي فكيف أرادوا منه أن يفهم ويتقبل الوضع الجديد الذي فرض عليه وهو ما زال ينبض من أجلك وما زال يحبك ويفتش عنك باستمرار؟!
تذكرين حين سهرنا سويًّا وكنا نجلس على الرمال وأمامنا أمواج البحر تتصادم، وقد أخبرتك بآخر القصص القصيرة التي كتبتها، وكعادتك كنتِ منصتة باهتمامٍ وعيناك متحمستان جدًّا، كانت عن السلحفاة التي تعيش في أمريكا الشمالية ووقعت في حب الغَيلَم الذي كان يعيش في جنوب إفريقيا وتحديدًا في جوهانسبرج حينما تقابلا في سباقٍ للسلاحف في البرازيل.
وقبل أن يمضي كل منهما من حيث أتى، وعد الغَيلَم السلحفاة بأنه سيأتي من أجلها سيرًا على أقدامه الأربعة وبسرعته البطيئة جدًّا من جنوب إفريقيا إلى أمريكا الشمالية، وقد وعدته هي الأخرى بأنها ستظل تحبه وتنتظره إلى أن يأتي، وبعد عشر سنوات التقيا من جديد وسكنا سويًّا في حب وسعادة. كنتِ أنتِ السلحفاة وأنا الغَيلَم.
ومرة أخرى حينما كان يصعب عليكِ النوم وقد مكثتُ بجانبك وملتِ برأسك على كتفي قرأت لكِ قصة جوناثان وراشي التي كُنت قد أنهيتها للتو، كانت عن جوناثان الشاب اليتيم الذي يعيش برفقة جَدَّيه في الريف الإيطالي في قرية أتراني، وكان شخصًا لا يتحدث كثيرًا، وانطوائيًّا بعض الشيء، لا يملك من الأصدقاء سوى حصانه الذي أحضره له جده في عيد ميلاده الثامن عشر وأطلق عليه اسم ماكسيليوس، وقد حان وقته لترك القرية ومزرعة جده والذهاب إلى الجامعة في مدينة فلورنسا.
وهناك التقى براشي التي كانت تشبهه كثيرًا فقد كانت وحيدة ويتيمة مثله، وأحبا بعضهما بعضًا وقد رافقته في الإجازة إلى الريف، وهناك رأت جَدَّيه وماكسيليوس الذي كان لا يكف عن الحديث عنه، وقد وعدها بأنه سوف يشتري لها فرسًا، وقد كان، وأطلقت عليها اسم جوي والذي يعني الفرحة، وأسكناها مع ماكسيليوس حتى تؤنسه، وعاشا في القرية بعد إنهائهما للجامعة برفقة جَدَّيه وماكسيليوس وجوي. كنتِ أنتِ أيضًا راشي وأنا جوناثان.
كنتِ يا حبيبة قلبي في كل القصص والروايات والأشعار التي كتبتها، وستظلين دائمًا؛ لأني إن كنت أكتب من قلبي فما زلت هناك، وإن كنت أكتب من عقلي فهو لا يكف عن التفكير بِك أيضًا، وإن كتبت بروحي فأنت وحدك من يسكنها، أنت في قلبي وعقلي ووجداني، أنت جزء من روحي وكل كياني الذي يصعب عَلَيَّ كثيرًا أن أتقبل خسارته، فمنذ أن فرض علينا أن تختلف طرقنا وأن نبتعد عن بعضنا وأنا أعيش بنصف روح ونصف قلب وهذا أمر مخيف حقًا.
أتعمد في كثير من الأحيان أن أمشي في كل الطرقات التي سرنا فيها سويًّا، أن أمكث في كل الأمكنة الذي مكثنا فيها أيضًا معًا، لا لكي أتذكركِ فأنا لم ولن أنساكِ قط، ولكن لكي أشعر بروحك قريبة مني، أجد نفسي في كل الكتب التي قرأناها سويًّا، في كل الأغاني التي سمعناها معًا، كل الأشياء تؤدي إليك، كل الأمكنة والطرق تقودنا نحوك.
في الماضي حينما كانت تقسو عليَّ الحياة وأسأم من متاعبها كنت أركض نحوك وأطرح عليكِ سؤالي المعتاد.
هل لي أن أستريح في عينك بعض الوقت؟! تقولين بكل حب: لا يا عزيزي لا يمكنك أن تستريح في عيني بعض الوقت، بل كل الوقت.
الآن حبيبتي أنا متعب جدًّا، وأشعر وكأن شاحنة عملاقة قد مرَّت على قلبي ومزَّقته، وأحتاج أن أستريح ليس كل الوقت كما قلت، بل بعض الوقت، ولكن لا أجد عينيك العسليتين الواسعتين جدًّا لأستريح بداخلهما.
الحياة حقًّا صعبة من دون أصدقاء ومن دون عائلة، فما بالك بحياة من دون هذا كله ومن دونك أيضًا.
لم يفشل حضنك أبدًا ولو لمرة واحدة في منحي السكينة والطمأنينة مهما كنتُ مضطربًا وخائفًا، كانت عيناك تحتويني دومًا. والآن عليَّ أن أعترف أنني لم أجد أحدًا يشبهك أبدًا ولن أجد. ضحكتك الساحرة جدًّا ذات الصوت العالي، عيناك البريئة الواسعة بقدر أنها تحتوي جميع أحزاني وآلامي، شعرك الطويل الذي يشتكي دومًا من عدم تمشيطك له كان أكثر ما يجذبني، قلبك النقي بنقاء الفضة المحماة الطيب والبسيط جدًّا، لا يوجد من يشبهك حقًّا، كنتِ حبي الأول والأخير وستكونين دائمًا.
أود في نهاية رسالتي أن أخبرك أنني لست بخير حقًّا، ولا أريد أن أكون بخير، في الحقيقة إن كنت سوف أكون بخير من دونك لا أريد ذلك أبدًا ولا أرغب في أن أتجاوز حبك، أن أعيش وأتقبل كل شيء كما صار عليه.
لا مانع لديَّ على الإطلاق أن أظل عالقًا هنا في فجوة فرضت علينا. حتى لو كنتُ سيُكتب عليَّ أن أكون وحيدًا طوال العمر سأعيش على حبك، على جميع ذكرياتنا الجميلة، بين رسائلك وصورك وصوتك المسجل، سأرضى يا عزيزتي أن أكون سجينًا لماضٍ لن يعود بكل حب ورضا بما أنك ستكونين هناك.
سلوڤانة أعلم أن هذا صعب، ولكن قد تتغير الظروف وتجمعنا الحياة مرة أخرى، إلى أن يحدث هذا أو لا يحدث أريدك أن تعلمي أنني ما زلت أحبك، وسأظل، وأنني لم أرغب في شيء في حياتي مثلما رغبت في أن أكمل حياتي معك، اعلمي أنك أيضًا لست وحدك؛ فأنا في قلبك باستمرار، توجد قطعة من روحي هناك، وتوجد قطعة من روحك بداخلي.
أريدك حبيبتي أن تكوني بخير دائمًا، أن تكوني سعيدة، حتى لو من دوني فأنا أصلي من أجلك باستمرار من أجل هذا.
اعذريني إن وجدتِ كثيرًا من الأخطاء الإملائية في خطابي؛ فلم تعودي أنتِ موجودة لتصحيحها لي، ولا أريد شخصًا آخر لمراجعة كتاباتي غيرك.
المخلص لكِ دائمًا.. سلڤادور.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.