خاطرة "صرنا أصدقاء أنا والبكاء".. خواطر وجدانية

إلى أين تجرفنا الأيام؟ كانت الأحداث بطيئة جدًا، روتينية بطريقة جميلة، تلك الروتينية التي أعشقها، فالكائنات البيتوتية مثلي، لا يحبون تلك الأحداث التي تتكرر كل يوم بالطريقة نفسها فحسب، بل يتمعنون في روتينيتها، ويتفننون في تكرارها، كارهون لأي تجديد يعارض ذلك.

انقلب الحال وصارت الأحداث متسارعة لدرجة تصل إلى حد الذهول، لم يعد يدرك العقل ما يجري، أهو حدث أم لم يحدث، وعند التدبر في بادئ الأمر، تتوالى أحداث أخرى ثقال، لم يعها ولن يعيها.

ليلة غبراء تلو الأخرى، لا يسلم العقل منها ولا القلب، تبدأ حين تغرب الشمس، ويغرب معها الأمن النفسي، ويبزغ فيها الليل فيغطي القلب بردائه الأسود، يحبس أنفاسه، ويزيد نبضاته.

هذا القلب الصغير، لم يعد يحتمل بطش هذا الليل، أنفاسي القصيرة ذات اللهثة، كانت تعشق الضحك، تنقطع وتتصل من الكركعة، وبطني المضطرب كان ولن يكون، كان محبًا للطعام والشراب، مشتهيًا لكل أصناف الحلوى ذات اللبن الممزوج بالسكر، وتلك المياه الغازية ذات الكاربون العالي، لم يعد كذلك، لقد صار يكتفي ببعض اللقيمات التي لم تعد قادرة على إقامة هذا الجسد.

إنه الليل، ما أوحشه! ذو الرداء الأسود، والأيدي الممتدة حول العنق، ما أثقله! إنه مجمع الأحزان، ومخزن الذكريات، ووقت الوحدة، ما عدت أحتمل، فكل محاولاتي باءت بالفشل.

أتذكر ذاك اليوم، يوم أن التقينا في الساعة التاسعة صباحًا، لم نكن أصدقاء، فعلاقتنا سطحية مضطربة، هو يحبني ويتقرب مني، ويستعطفني، يهاتفني أحيانًا بحديثه الجميل المعسول، أما أنا فلا أجيب، كنت حازمًا معه، حين يدنو أنهره وأعنفه، أقسو عليه، ورغم ذلك كنت أحس في داخلي بانجذاب نحوه، وكأنه يسكن بداخلي، لم أتخذه صديقًا حينها، وما فعلت.

في هذه الساعة جاءني وكنت وحيدًا، خاليًا من الأصدقاء، أمكث إلى حائط غرفتي في زاوية بعيدة حيث الهموم تحيطني، قربته مني لأول مرة، وسلم علي ودار ما يلي:

هو: كيف حالًك؟

أنا: لستُ بخير.

 - وجهك يحدث بذلك.

 - وكيف هو؟

 - شحيب دامع، لكن ماذا حدث؟

- حدثَ الكثير والكثير.

- قصَّ عليّ ما جرى

وبدأت في سرد ما حدث، الحكاية تلو الحكاية، حدثته عن الصبر كيف خذلني، وتركني وارتمى في أحضان غيري، وعن الرضا كيف باعني، وتركني جزوعًا، وأرضى غيري، حدثته عن هؤلاء الأصدقاء الصادقين، الذين طالت صحبتهم، قلت له عن الخوف: "لقد لازمني وقتًا طويلًا، مكث بجوار قلبي، يداعبه ويلاطفه"، وأطلت الحديث عن القلق، كيف سكن أحشائي، يلعب معها حشوًا حشوًا، لقد اتخذ جوفي بيتًا له، وكلي ملكًا له.

ربت على كتفي وضمني إليه قائلًا: "أكمل". لملمت ما بقي من قوتي، وحدثته عن الجوع كيف خذلني، وعن الطعام كيف هجرني، فلم أعد أشعر بالأول ولا أشتهي الآخر، لقد خذلوني جميعًا يا صديقي وتركوني ولم يبقَ إلا أنت.

طالت جِلستُه أيامًا، وامتدت ضيافته شهورًا، حتى صرنا أصدقاء مقربين، يمكث إلى جانبي طوال الوقت، لم يعد يفارقني ولو لوهلة واحدة، حتى اختلطت صفاتي بصفاته وصرتُ شبيهًا له: حيث العينان الدامعتان السوداوتان، والأذنان الحمراوان، شعر كثيف، ووجه شاحب، وجسم نحيل.

شعرت حينها بضمة اختلفت فيها ضلوعي، لقد حواني صديقي الجديد، هذا الذي كنت أهجره من قبل، لقد أصبح أقربهم إليّ بعدما جفانا الجميع، هكذا صرنا أصدقاء.. أنا والبكاء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
بقلم نجل الدين علي صالح البازلي
بقلم امجد احمد عطيه العجارمه
بقلم محمد ابراهيم عباده
بقلم بسمة رمضان السيد
بقلم سماح منذر حلاق