النفس هي أخطر عدو للإنسان، فهي المتحكم الأول في تصرفات وطباع البشر، لذلك يعاني كل من تسيطر نفسه على إرادته، وتحوله لتابع لها، عكس ما هو طبيعي بأن يكون الإنسان هو المتحكم في نفسه، يطوعها كيفما يشاء ووقتما أراد.
ودائمًا ما يدخل الإنسان طوال الوقت في حديث مع نفسه، ربما يصل لحد الصراع في بعض الأحيان، وفي الغالب تنتصر النفس على صاحبها، وتتحكم في طباعه وتصرفاته وسلوكه وأخلاقه، ومع انتصار تلك النفس تجدها ضعيفة مستسلمة لشيطانها الذي يوجهها في طريق من اختياره هو، فيبدو الإنسان وقتها مسلوب الإرادة ضعيفًا أمام نزواته ومتاع الدنيا.
وحوارات البشر مع النفس لها أشكال وصور متنوعة تولدها المواقف والأحداث المتتالية خلال الحياة، فها هو إنسان مسلم، استيقظ من نومه مع آذان الفجر، فيهمس لنفسه "لما أقوم أصلى الفجر" فيعارضه شيطان نفسه "بس الجو برد كده ممكن تتعب"، ويظل الحوار لمدة لم تطول تنتهي لعودته للغرق في النوم وإعلان انتصار النفس وتنفيذ إرادة شيطانها.
وليس ببعيد أن تقود النفس صاحبها لارتكاب الجرائم والقضاء على مستقبله، فها هو شخص أخطأ آخر في حقه، وتميل طباعه لرفع شعار "المسامح كريم"، ولكن وللأسف الشديد يبدأ شيطان نفسه ببث السموم في أذنه، ويطارد مسامعه بعبارات وجمل من نوعية "خيبة عليك أزاي تسيبه يهزقك كده"، "أنت مش راجل وهتفضل طول عمرك جبان وضعيف"، "لو سكت هياخد على كده وهتبقه ملطشة لكل الناس".
وتبدو تلك العبارات كالسهام الموجهة لعقله حتى يصاب بالشلل التام، ويغيب عن الوعي والإرادة الإنسانية، فتبدأ مرحلة الأخذ بالثأر بمحو عبارة "المسامح كريم" من ذهنه، ويدخل في الصراع الذي ربما يقوده للتعدي على الطرف الآخر، ووقتها إما أن يصيبه بعاهة مستديمة وإما أن يتسبب في مصرعه، ولا يفيق إلا وهو خلف القضبان يحاكم بسبب نفسه التي سيطر عليها شيطانها.
وصورة أخرى من صور سيطرة الشيطان على النفس، نجدها في موظف حكومي لا يمتلك إلا راتبه فقط، يقضي احتياجاته ومتطلبات أسرته بالكاد، النزاهة والشرف دائمًا عنوان يضعه أمام عينيه، ومع ضغوط الحياة التي لا تنتهي والاحتياجات الأسرية التي تتزايد يومًا تلو الآخر، يبدأ الشيطان يقود نفسه في رحلة تهدف إلى تعديل العنوان من "النزاهة والشرف" إلى "طريق الحرام".
رحلة تقوم على حصار عقله بقذائف تحتاج شخص شديد الإيمان لمواجهتها، "أنت هتفضل فقرى لحد أمتى" ، "وبعدين ابنك الكبير عايز مصروفات الجامعة" ، "والبنت محتاجة لبس"، "والواد الصغير محتاج فلوس الدروس" ، "أنت هتفضل حارم ولادك كده" ، "زوجتك بدأت تلوى بوزها من قلة الفلوس" ، "عاجبك الحياة اللى أنت عايشها دى" ، "هي مرة واحدة وبس، وبعدين مرة تفوت ولحد يموت".
وللمرة الأولى يفاجأ صاحبنا بأنه محاصر وكل الطرق مغلقة في وجهه إلا الطريق الذي اختارته نفسه بوسوسة من شيطانها، فيخالف ضميره ويبيع ذمته، ويزين له الشيطان حياته الجديدة حتى يصل إلى مرحلة "مرة واحدة لا تكفي" فيتمادى في الحرام، ويصبح أمامه أحد طريقين لا ثالث لهما، إما أن يسقط ويضيع كل شيء، أو يستمر في طريق شيطان نفسه هذا في انتظار عقابه مع زوال الدنيا ووقوف الجميع أمام محكمة من لا يغفل ولا ينام.
وهذا رجل آخر معروف بين جيرانه وأصدقائه بأنه شديد الاحترام، يقدر الجميع أخلاقه والتزامه، وطيبته المفرطة جعلت من زوجته القبطان الذي يقود أمور المنزل، حتى حقوقه الشرعية لا يحصل عليها إلا في الوقت الذي تحدده تلك الزوجة المتسلطة، وجارته المطلقة منذ سنين خلت، فاتنة الجمال رائعة الجسد، عاش لمدة ليست بالقصيرة يقاوم مطارتها له، فهو لا يقبل أن يغرق في بحر الرذيلة، ويفقد احترامه لذاته.
وليس غريبًا في حالته تلك، أن ينتهز شيطان نفسه تكثيف تلك المطلقة من ملاحقتها، ليزين له الطريق، ويحاول إقناعه بأن هذا من أبسط حقوقه في الدنيا، وأن الضرورات تبيح المحظورات، فالشيء الذي تمنعه عنك زوجتك، ستجده عند هذه المطلقة دون حدود حتى يسلم في النهاية بأنه بالفعل مضطر للسقوط في بئر الرذيلة، بسبب تصرفات زوجته، ويسقط صاحبنا في بحر العسل، بحر غرقت بين أمواجه أخلاقه ومبادئه، التي عاش طوال عمره يحافظ عليها ويتمسك بها.
فأي إنسان يمنح للشيطان الفرصة حتى يسيطر على نفسه، فمن البديهي أن يقوده لطريق الضياع واللا عودة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.