مرحباً أيُّها المنزل الحنون،
أخبرني ما أحوالك في هذا الشتاء القارس؟ ما أخبار جُدرانك، هل ما زالت دافئة كما عهدناها؟ أتذكر في كل مرَّة يزورنا أحدهم يسألنا كيف ينعم منزلنا بكل هذا الدفء بينما الأجواء في الخارج لا تكاد تُحتَمَل...!
لا أدري أنحن من دفّأناك، أم أنك من فرط حبك لنا أصبحتَ تخشى علينا البرد فتحولت جدرانُك لأحضانٍ دافئة! كنا لا نحمل هم الشتاء ما دمنا ننعم بالأمان ونحن فيك! عندما نعود في نهاية اليوم ونغلق بابكَ بهدوء؛ نشعر كما لو أننا أنهينا معركة مُتعبة وعدنا إلى أحضان أمنا الحنون لننام مطمئنين...!
أخبرني عن سُكانِك الجدد.. هل يشعرون بدفء جدرانِك والنوافذ؟ أم أنهم أحضروا مدفأة لتقيهم من برد الشتاء معتقدين بأن دفئك لا يكفي...! أعلمُ بأنك حزين جداً وربما سلبك هذا الحزن شيئاً من الدفء الذي يغطيك، ولكن أرجوك مهما يكن حافظ عليه بكل ما تملك، اجمعه من الزوايا ومن النوافذ وجدران الغرف، خبئه جيداً، احتفظ به كما لو أنه الشيء الوحيد الذي بقي ليربطك بنا!
أتعلم شيئاً.. صحيحٌ أننا افترقنا وباعدت بيننا المسافات، وتغيَّرت بعض معالمك من بعدنا، وربما شاخت ذاكرتك، وكبرنا بعيداً عنك ولن تستطيع التعرُّف إلى ملامحنا بعدما غيرتها السنين، ولكن برغم كل شيء نحن ننتمي إليك في النهاية!
أنت الذي كنَّا نستند على جدرانه في خطواتنا الأولى، كانت جدرانك تردّ صدى أصوات أحرفنا الأولى، ولعثمة ألسنتنا، وتكرار كلماتنا الصعبة حتى أتقناها، كنا ندق أبوابك بأيدينا الصغيرة ونناغيها فتضحكُ إلينا بلطف وتودّ لو تمسح على رؤوسنا وتحمينا بكل ما تملك، كانت نوافذك لا تصدر أصواتاً كما بقية البيوت وكأنك أوصيتها أن تبقى هادئة حتى لا تصيبنا بالهلع في منتصف الليل...!
أنت الذي فتحت لنا فناءك لنتعرَّف من خلاله على السماء الرحبة، وكأنك تقول لنا: إن ضاقت عليكم الحياة يوماً ما؛ فهناك المُتسع...! في كل مرة نرى فيها شيئاً يذكرنا بك فإن ابتسامة عريضة ترتسم على شفاهنا دون أن نشعر، كأن شيئاً ما في داخلنا عاد للحياة من جديد...!
دكان الحي، المدرسة، سيارة جارنا، نقوش النوافذ، لون الباب، التلفاز الرمادي، الساعة المعلقة على الحائط، صباحات العيد، زيارات أقاربنا، الفناء الواسع، مطبخنا الصغير، شجاراتنا المتكررة، مشاعر الأيام الأولى من المدرسة، فطورنا المبكر، أفراح نجاحاتنا، وأشياء أخرى كثيرة كلها ما كانت لتكتمل لولا شعورنا بالأمان ونحن ننعم بين أحضانك الدافئة...!
أتعلم...! في كل ليلة أضع فيها رأسي على الوسادة أُغمض عينيّ أتخيَّل أنني لا زلت هناك على وسادتي القديمة النافذة يطل منها نور عمود الإنارة أتأملها يأخذني النعاس على حين غفلة، فأصحو على صوت أمي ونور الشمس يداعب عيني، هكذا كنت أطمئن قلبي بأنني ما زلت هناك...
ما زلتُ أعيش في البيت الذي كبرت بين أركانه وزواياه التي متأكدة بأنها ما تزال تحمل شيئاً من عبق ذكرياتي...! وفي كل ليلة أتساءل يا تُرى لِمَ هذه الجدران باردة...؟ متى يأتي الشتاء دافئاً يا تُرى...؟ ولكن يبدو بأن دفء العالم أجمع قد حظيت به جدرانك والنوافذ ونحن.. ولم يبقَ للبيوت الأخرى سوى الصقيع..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.