أنا شاب عربي أصيل، لا يمكن أن يذكر الشباب العربي دون أن أذكر أنا..
أتمتَّع بكل الصفات.. جيدها ورديِّها من التي نتمتَّع بها نحن شباب الأمة العربية العريقة والمتعبة..
أصحو من نومي في الصباح متفائلًا كطير.. ولا أتوقف لحظة واحدة عن النظر إلى الأفق كبطل أسطوري..
كل هذا حتى تحين الساعة الثامنة.. موعد الدوام.. فتلفحني شمس الصيف الشرسة، التي لا ترحم أحدًا على وجه البسيطة. حينها أنسى كل شيء عن الصباح.. وعن التفاؤل وعن النظر إلى الأفق.. ما عدت أريد شيئًا من الدنيا، أريد فقط الوصول إلى مقرّ عملي، وأدعو الله ألا يكون جهاز التبريد في العمل معطلًا..
حسنًا، جهاز التبريد معطل.. لهذا تراني وقد غطَّى العرق كل جزء في كياني، وصار لون ملابسي أغمق بسبب العرق..
أتعامل مع بعض الموظفين والعملاء، وكذلك المدراء المتخلفين عقليًّا، والذين أفكّر يوميًّا بضرورة قتلهم، لتخليص العالم من شرورهم..
نسيت شيئًا.. جهاز التبريد في غرفة مديري يعمل بكفاءة عالية، في حين نحن الموظفون البائسون غارقون في العرق حتى الأعناق..
لدي اعتقاد أن مديري هو في الأساس قاتل متسلسل أو مجرم حرب.. ولكنّه هرب من العدالة بطريقة ما، ليواصل أعماله الإجرامية على موظفيه البائسين الذين هم نحن..
يقول لي أن وجهي كريه، وأنه شبيه بوجه ابن عرس. أردت أن أجيبه أنه وجهه شبيه بوجه ثور المسك، ولكني التزمت الصمت خوفًا من فقدان وظيفتي..
لا يكف مديري لحظة واحدة عن التقريع، ولا يكف كذلك عن وسمي بأني شخص أحمق لا أفقه شيئًا في مهنتي.. أمسك بالقلم على مكتبي رغبة في تسديد ضربة قاتلة إليه، ولكني لا أفعل شيئًا..
ينتهي دوامي في تمام الساعة الثامنة مساءً.. دوام طويل كما ترى..
أركب المواصلات عائدًا.. متعبًا.. كارهًا للعالم.. وضيّق الخلق..
وحينما أعود المنزل.. متعبًا.. كارهًا للعالم.. وضيّق الخلق.. فلا تقل لي إنه عليَّ النوم ومن ثمّ الأكل، لا شيء كهذا.. أنا جائع درجة الهلاك، وكذلك نعسان. إنها تلك الحالة التي أسميّها "نعجائع" خليط بين النعسان والجائع..
لهذا أأكل كفرس النهر، ومن ثمّ أنام كالدب الكسلان..
وحينما أستيقظ متخمًا بعد منتصف الليل. فلا تخبرني أنه عليَّ استغلال وقتي..
لقد ضاع اليوم يا فتى.. لم يعد يوجد شيء لإصلاحه.. كل شيء خربان..
سأكون صريحًا.. يوجد فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن لا طاقة لديّ لإنقاذ أي شيء..
لهذا تراني بعد منتصف الليل.. أمارس العادات التي تحلو لي لأنسى أو لأتناسى قلق الأيام المفرط.. إنني متصالح مع كل شيء، بسماتي سخية وجراحي مضمدة..
أنا شاب عربي أصيل.. وخفة الروح والظل إحدى أهم صفاتي..
لهذا أصحو من نومي في الصباح، ولا أتوقف لحظة واحدة عن النظر إلى الأفق كبطل أسطوري..
وأبدأ سمفونية يوم جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.