خاطرة «سلبيات حضارية».. خاطرة اجتماعية

(من زرع حصد)

 يظن البعض أنه مثل شعبي يقال للحث على العمل والاجتهاد، ودائمًا تلازمه عبارة (من جد وجد) لتأكيد المعنى.

 ولك أن تتخيل يا سيدي الفاضل أن هذه العبارة التي تتكون من كلمتين تحمل بين جوانبها كثيرًا من الجهد والصبر والمعاناة.

 فتعالَ معي نخوض في أعماقها لنستخرج العبر والمواعظ.

اقرأ أيضًا: تدوينة «التنوع البيولوجي والحفاظ على البيئة».. خواطر عن الحياة

كان العمل بالزراعة يعتمد مباشرة على العمل البدني للفلاح والماشية، فالمجهود البدني المبذول كبير جدًّا، ولك أن تتخيل أن حرث وتجهيز وإعداد الأرض كان بالمحراث اليدوي الذي تجره الماشية، وكذلك باقي التجهيزات كانت بالفأس بسواعد الفلاح، والزراعة بمعرفة الأنفار من الفلاح وجيرانه وزملائه الآخرين، يزرع الفلاح بمجهود يدوي، منحني الظهر، وبعضلات الذراع واليد، في حرارة الشمس المحرقة، يشترك معه النساء والصبية.

 وعند انتهاء الزراعة يكون الإرواء باستخدام الساقية التي تجرها الماشية، ويدور وراءها الفلاح ما شاء الله له من الوقت والأيام حتى ينتهي من عملية الإرواء، وبذلك تكتمل المرحلة الأولى من الزراعة.

 وللماشية دور آخر بعد الزراعة في تلويط أراضي الأرز ونقل الشتلات وتوزيعها بالطبلية. ثم يأتي دور الفلاح وزملائه والنساء والصبية في الشتل، وما يتبع هذا كله من تنظيف الحقل من الحشائش وتسليك المصارف والإرواء المتكرر، حتى نضج المحصول، ويعود دور الماشية مرة أخرى في نقل المحصول والدراس والنورج وغيرها من أعمال جني المحصول والحصاد.

ويوجد عناء ومشقة أخرى يتحملها الفلاح من طعام وسقاية للأنفار.

كل هذا المجهود الذي يبذله الفلاح والمواشي يتم في ظروف بيئية ومعيشية صعبة. فلك أن تتخيل أن نقل مياه الشرب للأنفار عند جني القطن أو شتل الأرز أو العزيق أو خلافه في أوانٍ فخارية يتم باستخدام الحمير من أمكنة بعيدة، وتكون عرضة للكسر؛ نظرًا لطول المسافة، والتأخير عليهم، وفي حرارة الشمس أو برد الشتاء (بلاص أو قلة)؛ ما يضيف للمجهود والعناء.

 وكذلك خدمة المواشي والعمل على توفير الطعام لها وحمايتها؛ ما يزيد عناء الفلاح ومشقته.

كل هذا المجهود والضغوط من الزرع والماشية والبيئة المحيطة والظواهر المناخية وتقلباتها ومشكلات توفر مياه الإرواء وغيرها من المشكلات المعيشية الأسرية، كل هذه الضغوط أثرت في الفلاحين، وجعلت كثيرًا منهم يهجر الأرض الزراعية والمهنة بالكامل.

وكان الفلاح لا يحتاج للتعامل النقدي، فكان الحلاق والجزار والبقال حتى بائع الملح، كانوا يأخذون جزءًا من المحصول سواء القمح أو الأرز في موسم الحصاد، وكذلك القماش، فكان له كسوة في الصيف وأخرى في الشتاء.

وبذلك فالفلاح كان لديه اكتفاء ذاتي على الرغم من المجهود والعمل البدني الشاق، وكان متوفرًا لديه كل أنواع الطعام في البيت الريفي الذي يوفر الخبز والألبان والبيض والطيور، وكان في العادة متسعًا لكل ذلك، فكانت الدار للبشر، والدوار للماشية، والجرن للمحاصيل، وحجرات أخرى مخازن للغلال والألبان والطيور والأرانب، كان بيتًا منتجًا قائمًا بذاته، وفيه تكافل وتعاون مع الأرض.

وعند دخول الميكنة الزراعية تنفَّس الفلاح الصعداء؛ وأقبل عليها بنهم غير مخطط وبإسراف، كالظمآن المتعطش للماء، فتجد الميكنة التي طاقتها 50 فدانًا تُستعمل لخمسة أفدنة أو أقل، وتعددت الآلات الزراعية بلا مبرر. وانتشار الميكنة غير المبرر تبعه زيادة استخدام الطاقة، وزيادة النفقات الإجمالية للزراعة، ما أثر على الاقتصاد الكلي، واختلف نمط التعاملات المالية والنقدية.

اقرأ أيضًا: خاطرة «الاختناق الحراري».. خواطر اجتماعية

نستخلص من السابق ما يلي:

أولًا: أن الفلاح يجب عليه تربية المواشي، وليس اختياريًّا، للاعتماد عليها في الزراعة والحصاد، وكذلك لتسميد الأرض بروثها، وتأتي الاستفادة من اللحوم والألبان هدفًا فرعيًّا وليس أساسيًّا. فقد كان قطيع المواشي يخرج من القرية صباحًا مع بزوغ الشمس، يذهب للحقول ويعود مع الغروب، أصبحنا لا نرى هذا المنظر إلا في الأفلام الوثائقية، فكانت الأمهات تخاف على الأطفال من النزول في هذه الأوقات، وكانت بيوت القرية في حالة طوارئ في دخول وخروج القطيع، وبذلك كان هناك وفرة إجبارية من اللحوم والألبان والبيض بصفة عامة.

ثانيًا: كان البيت الريفي بيتًا منتجًا من الخبز، فكان يوجد فيه الفرن ومخازن الغلال وأماكن التربية (مواشي – طيور) وصناعة الحصر والنسيج وخلافه، وكان يوجد اكتفاء ذاتي بل يزيد عن الحاجة.

والتساؤل الذي يطرح نفسه: هل دخول الميكنة الزراعية الحديثة أثَّر مباشرة في تربية المواشي، فتحولت التربية إلى بديل اختياري بعد أن كانت إجبارية، وأثَّر بالتالي في الثروة الحيوانية وما يتبعها من منتجات الألبان، فأصبحت التربية مقصورة على المزارع والمتخصصين، بعد أن كانت موزعة على ما يقارب ثلث الشعب، فاختفى قطيع الماشية من القرى؟

وهل تطوير القرى والتخطيط العمراني ومظاهر المدنية الحديثة أثَّرت في البيت الريفي، حتى إنه أصبح لا يستطيع إنتاج رغيف الخبز، فتحول من منتج إلى مستهلك؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة