خاطرة "سجن العقل".. خواطر وجدانية

كان الجار المظلوم يرى أنه سيعيش في نعيم إذا تمكن من إخراج ذلك الجار الظالم من حارته، فاتخذ كل السبل لتحقيق ذلك، وحين عجز باع منزله وذهب بعيًدا، أبعد ما يمكن أن يكون عن ذلك العناء، تحقق أخيرًا ما حلم به زمنًا طويلًا؛ أن يعيش بسكون.

دامت نشوة الخلاص التي عاشها في منزله الجديد قرابة شهر، حتى حصل شجار بينه وبين جاره الجديد، المؤلم في الأمر أن جاره الجديد الذي لم يعرف اسمه إلا من أيام ذهب إلى قسم الشرطة واشتكى عليه كذبًا وبهتانًا، فما لبثت الشرطة حتى أودعته الحبس للتحقيق معه، قبل إرساله إلى النيابة.

في زاوية الحبس تفاجأ وهو يتأمل حياته، فقد أمضى أكثر من أربعين عامًا من عمره يطمح إلى أن يتخلص من جاره السيئ، والآن هل يمضي أربعين سنة أخرى يبحث عن الحلم نفسه مع الجار الجديد؟ 

تساءل بعصبيته المعتادة صارخًا، وهو يضرب بقبضته جدران الحبس:

- لماذا؟ لماذا؟

تصدعت جدران زنزانته وهو يتساءل..

- لماذا نخرج أناسًا من حياتنا لسوئهم، ثم ما نلبث أن نجدهم ذاتهم، لكن بصور وأسماء مختلفة في حياتنا من جديد؟

الفشل والمرض والخلافات والصراعات والحروب والصخب والضوضاء، وأي ألم هو في الأصل أخذ وقتًا داخلك لينضج، قبل أن يتجسد أمامك في حياتك، تستعيد حدثًا واحدًا مضى لألف مرة في اليوم، الحدث جرحك مرة واحدة، في حين استرجاعك لذكرياته يعيد لك الجرح ذاته ألف مرة، وتستعيد معها المشاعر نفسها التي عشتها تلك اللحظة.

النكتة أن المشاعر التي جاءت عرضية مع ذكرى لحدث ميت، تنجب للواقع شبيهًا مطابقًا له يقتحم حياتك دون سابق إنذار!

يسحبك تفكيرك خلفه، وهو يجري كالمجنون من زقاق إلى آخر في مدينة مهجورة إلا من الذكريات الأليمة، يقفز من ركام إلى آخر، وهو يخبرك كيف كان الأجدر بك أن تدافع عن نفسك حينها، وكيف فاتتك الوسيلة المثلى للانتقام السريع من خصمك.

وحين تحاول الهدوء والخروج، يصرخ بك وهو يشد الحبل الملفوف حول رقبتك: أنا هنا، أعدّك لمعارك قادمة، فهكذا هم البشر، لا يتركون أحدًا في حاله، ألا تتذكر طفولتك وكيف كان يقتحم المتنمرون حياتك كل يوم؟

ما كان للمعارك القادمة أن تأتي أبدًا، لو أنك فقط نزعت الحبل من رقبتك، وفاجأت التفكير بأنه يقفز وحده بين المدن الخربة لينتحر غضبًا.

عد إلى سكونك الداخلي تر السكون في حياتك، فكل ما تطهوه في رأسك طوال لياليك تستيقظ لتفطر عليه في صباحاتك.

يخبره ابنه أن الشهود حضروا متعاطفين معه، وقالوا الحقيقة في المحضر، وأن المحامي أخبره أنه يستطيع أن يرفع دعوى قضائية ضد الجار الجديد للتعويض عن ادعاءاته، وأكد أنه سيكسبها.

كان هادئًا كأنه ليس هو، باسمًا يتفحص ما حوله، كأنه المرة الأولى يرى النور في حياته، ولم لا؟ فقد خرج للتو من سجن مكث في سواده أكثر من أربعين عامًا!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة