أحب زخات المطر الخفيفة كما الآن، كأنها هنا وليست هنا في الوقت نفسه، تكون معي عندما أسير هائمًا بأفكاري، وتخرجني من شرودي قطرة لطيفة وقعت على جسر أنفي..
جعلتني أقف وأبتسم للطف وقعها فوق برودة جلدي، وانتبهت لكيف أخواتها بدأت في التتابع خلفها تتسابق للسقوط..
نظرت حولي ورغم هروب البعض مختبئين من تحية المطر، وجدتُ روعة في منظر أضحت فيه الأرض شبه مبتلة، ورائحة التراب أشعرتني بجمالية الانتعاش.
انتعاش روحي ودواخلي الذي أنتظره وأنتظر استكانه بي، انتعاش يأخذني لذهن صافي، فقط بسبب تلك القطرات الخفيفة..
وكأنها تغسلني من كل شيء، وتعيدني أبيضًا نقيًّا كما كنت يوم خرجت إلى الحياة من جوف أمي، وكم اشتقت إليها جميلتي الرقيقة.
لعلَّها الآن تنتظرني على أعتاب بابنا كما دومًا حينما تمطر وأكون كما أكون دومًا، منغمسًا في عالم موسيقاه صدى قطرات الماء على سطح الأرض.
انشغل بوجداني بهدوء أجواء محببة إليّ ومتى أحببتها؟، لا أعلم، ورغم أني لا أحب برودة الشتاء إلا أنني واقع لأمطاره.
ولست بقادر على الوقوف خلف نافذة غرفتي أشاهد وقوعها دون تحرك، بل على مشاركة السماء في إلقاء التحية على الأرض.
ربما بنقعي متبللاً من السماء مقطرًا بدوري على أرضها، وربما يعجبني نسب السماء إلى الأرض، ونسب الأرض لسمائها.
وكأن بالمطر السماء تلقي التحية لمن تقابلها منذ الأزل دون التقاء، فقط تكتفيان بنظرات من بعيد، أستشعر إخلاصًا بينهما.
وأعجب كيف للأرض تحمل السماء بتقلباتها، فتارة في ليل تمطر، وتارة، تبرق، وأخرى، ترعد، وبالليل آخر تُظلم وترقع بنجوم ذات رؤى خلابة تدعوها للتأمل وكأنها تعتذر لإجبار الأرض على امتصاص مياهها وإفزاعها بأنوارها وزمجرتها في الليلة الفائتة.
وعلمت أن الرعد هو صوت رحمة الله، وعندها اهتز قلبي، وصرت محباً له أكثر.
ما زلت أقف مكاني رافعًا رأسي لعنان السماء، وتحت قدامي أرضها، باسط يداي مستقبل ما يأتيني من سلام المطر بصدر رحب، بل ومستمتع، متذكرًا لسبب سباحتي في أفكاري التي أخذتني بعيدًا عن حيث ما أنا مستقر بجسدي.
تلك القطرة الخفيفة، وآه لما افتعلت بداخلي من جمال وذهبت، أتساءل إذا تشربتها بشرتي أم أزلقتها بعيدًا دون لقاء ثانٍ.
ابتسمت، ولكن هذه المرة اقتطعت سكوني وأخذت من بين فراغ الشوارع حولي أساير طريقي عائدًا نحو منزلي.
وأترقب توبيخًا لطيفًا من خلو ثغر أمي، ووداعة قلقها لأنني حتمًا وكالعادة سأمرض، وهي لن تمرر لي الأمر دون عتاب.
أنا على أعتاب الثمانية عشرة أعلم أني صغير في نظرها ولتصرفي المتعمد أستحقه، ولكنني حتى الآن لم أعرف لماذا يحب أبي فعل ذلك
وتلقي التوبيخ منها واجل، لقد ورثت حب الوقوف في المطر وحب توبيخ أمي منه، لكنني لا أكتفي بالوقوف، بل سأسير بجل الشوارع متأملاً سكونها سوى من صوت المطر.
لا أظن أنني سأجد إجابة غير أن توبيخ أمي، بخفة وجمال المطر لذلك نسعى للحصول عليه، سأعود إليها الآن، فسلام..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.