خاطرة "ذكريات لا أتمناها لألد أعدائي".. خواطر وجدانية

كانت تجلس بانتظار دورها بالكشف الطبي، لا أعرف مما تعاني تحديدًا لكن استعار انتباهي ارتعاشة يديها المستمرة وهي تراجع أوراق التحاليل والأشعة الخاصة بها في كيس بلاستيكي عملاق يدل على أنها تتردد بكثرة على المعامل ومراكز الأشعة..

أشحتُ بوجهي في الاتجاه الآخر فلقد قطعت عهدًا مع نفسي أن أتوقف عن هذه العادة المرهقة، عادة مطالعة وجوه من هم حولي من الغرباء، نظرات أعينهم، حركة أيديهم، تململ أقدامهم، هل هناك من يصحبهم أم أتوا فرادى؟ ولماذا؟ هل يشعرون بالوحدة؟ هل ينتظرهم الموت؟ أسئلة لا تنتهي تظل تعصف بذهني حتى بعد فراقهم...

في طفولتي كنتُ أرهق أمي بهذه التساؤلات عند عودتها من العمل، أتذكرُ أني كنتُ أتبعها كظلها في جميع أنحاء وزوايا المنزل أمطرها بالأسئلة، "ماما، لماذا طنط والدة سونه تجلس وحيدة بالشرفة يوميًا؟ اليوم أثناء مطالعتي للعمارة المقابلة رأيت فتاة صغيرة تجري أظن أنها كانت خائفة... ممَ كانت خائفة يا ماما؟ أم هي هاربة من أحد القتلة مثل هند في مسلسل هند والدكتور نعمان؟ ماما، أظن يجب أن نتدخل، ننبه والدتها أو نرسل جوابًا لعبد الوهاب مطاوع أو الأفضل نتصل بالبوليس، ما رأيك؟"

كانت عندها تقف وتوقفني معها وهي تمسك بي كأنها تثبتني بأرض الواقع "نهال، توقفي عن هذه التخيلات الجامحة، وتوقفي عن مطالعة كل شيء من الشباك والتفكير الزائد بذلك وإلا سوف أمنعك من هذه النافذة".

"لكن ماما..." تقاطعني دائمًا بحزم "لن أسمح بلكن، توقفي عن هذه الأفكار حتى لا تؤذي عقلك بالتفكير فيما لا يعنيك، كل هؤلاء ليسوا من شأنك... أخبرتك مليون مرة توقفي عن مشاهدة المسلسلات والأفلام المرعبة".

اعتدتُ أن أصمت بعد ذلك وأحتفظ بملاحظاتي لنفسي رحمة لأمي وخوفًا من حرماني من الأفلام والروايات التي أعشقها.

ولكن مع الوقت اتضح لي أنها كانت محقة في قولها ونصيحتها، فكم أرهقت نفسي بتأمل الأخرين واختراع سيناريوهات وقصص لحياتهم لا أعتقد أنها تخطر ببال أحدهم حتى، لذلك قرَّرت أن أتوقف وتمكنت من هذا لفترة طويلة ولكن لا أعرف لماذا أحدثت هذه العجوز في عقلي مثل هذه الانتكاسة!

عدتُ أنظر إليها بتوجس خوفًا من تدفق الأفكار لعقلي ثانية، فوجدتها تبتسم ابتسامة جميلة ملء وجهها وهي تنظر بعيدًا كأنها تطالع طيف شخص عزيز ذكراه تجلب الدموع لعينيها، لا إراديًا وجدتُ نفسي أتبع هذه الابتسامة بفضول لأعرف ما هو مصدرها، لأجد فتاتين شابتين، في أواخر العشرينيَّات على ما أعتقد تضحكان رغم صعوبة الموقف، فواحدة منهن تعاني من كسر بإحدى ساقيها والتزمت بالجلوس على الكرسي المتحرك، والأخرى تحاول دفعها وسط الممر الضيق أمام العيادة المجاورة لنا والخاصة بالعظام.

بدأت تتعالى أصوات ضحكاتهما مما أجبر الجميع على الضحك والدعاء للصديقة بالشفاء العاجل، التفت للعجوز بجانبي مبتسمة "ما أجملها من صداقة، الله يديمهم لبعض".

اختفت ابتسامتها في ذات اللحظة وأشاحت بوجهها كأنها تلوم نفسها على انخراطها في مثل هذا المشهد "إن دامت" قالتها وهي تعدل من جلستها وتنظر للفراغ أمامها وهي تتشبث بأوراق الأشعة والتحاليل.

أصابتني ردة فعلها بغصة في قلبي وأردت أن أخفف من وطأة الحديث، فاستطردت مازحة "لا تقلقي، صداقة مثل هذه لا أتصور أن تنتهي، لا أتخيل أن تتخلى إحداهن عن الأخرى بعد موقف كهذا".

ابتسمت العجوز ابتسامة ثقيلة تقطر مرارة وهي تلتفت لي "ما أسمك يا ابنتي؟" أجبتها على الفور "نهال" وكأنني واقعة تحت سحرها...

"نصيحة من امرأة عجوز... لا تتخيلي أو تتوقعي فالبشر يفقدون أي ذكرى جيدة معك، بل ينسوك شخصيًا أسرع مما يتصور عقلك، إلا من رحم ربي.. لقد رأيت هذه الفتاة عندما وقعت صديقتها لكن هل سوف ترين نفس المشهد لو وقعت هي؟! لا أظن، أجبت باندفاع "أكيد، أعني... أعتقد ذلك".

ضحكت بألم "تذكريني بنفسي في شبابها يا ابنتي... كان يملأ قلبي الإيمان بالبشر والصداقة، كنت أملك أطنانًا من الأصدقاء المقربين، كانوا دائمي التقرب مني وساعين لوجودي معهم كل لحظة، لا يمر يوم دون أن نلتقي كنا لا نفترق، وكانوا يلقون أبيات الشعر في حبهم لي ولصداقتي وجمال معشري وطباعي..

كنتُ أتعجب من كم وقوة حب كل هؤلاء وأحمد الله على وجودهم في حياتي، كنتُ ألقبهم بثروتي ويا لقلة علمي وخبرتي! لا أظن أنك ترين أحدًا بجانبي الآن؟!

التفت حولها بحركة مسرحية في حزن "لا أحد، لا أحد خرجت به من هذه اللمة الكاذبة، فقط الخيبة والذكريات... العديد من الذكريات التي أتمنى لو أفقد ذاكرتي حتى أنسى وجودهم... أنسى هذه الذكريات التي لا أتمناها حتى لألد أعدائي".

أطرقت برأسها لأسفل تجاه حفنة التقارير الطبية التي تقبض بيدها عليها وهي تتمتم "لعله يستجب لدعائي".

كدت أهم بمحاولة لمواساتها ولكن قاطعني صوت الممرضة وهي تصيح باسمي معلنة أنه حان دوري في الكشف... "سأعود ثانية عندما انتهي من الكشف".. قلتها وأنا أربت على يدها بحنان، فأومأت برأسها في استسلام "احذري تقلب البشر يا ابنتي" قالتها دون النظر تجاهي.

لم أمكث طويلاً في غرفة الكشف وخرجت تبحث عيناي عنها بلهفة وكأني أشعر أنها كانت من وحي خيالاتي وأفكاري، رحت أبحث عنها في طريقي لخارج المستشفى لكن لم أجد لها أثرًا...

فقط ظل صوتها يتردد في أذني وهي تقول احذري تقلب البشر يا ابنتي، والغصة بقلبي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميلة جدا وبما انك ناقدة أرجو نظرة
على كتاباتى واكن سعيدة برأيك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة