قد ترى الموت يقترب منك عندما تسمع خبر صديقك الذي كان الأقرب إليك قد غاب، وقيل لك إن الموت اختطفه، وكانت صحته على ما يرام، وأنه صغير على الموت، وكيف تجرَّأ الموت واختطفه فما زال في ريعان الشباب، وأنت تتحدث بتلك الكلمات غير المنطقية عن رحيله؛ لأنه كان القريب إليك، وأنتما معًا في كل شيء على الحلوة والمرة. فعلًا سيترك الفراق شرخًا في نفسك مدة زمنية ربما تطول أو لا تطول، المهم ألا تتأزم نفسيًّا.
فعلًا رحل عني كثير من الأصدقاء جسديًّا، لكنني لا أنساهم، ودائمًا ما أراجع ألبوم صورهم، وأتذكر بعض المواقف الطيبة؛ فلم يخذلوني أبدًا، لذلك سيرتهم لا تفارقني.
فعلًا فقدان الشخص العزيز يُمثِّل لي هزة معنوية ضخمة تحتاج إلى مزيدٍ من الوقت حتى أنسى، وأمر فعلًا بحالة ألم صعبة حين أسأل نفسي سؤالًا كيف تركنا هذا الشخص الجميل بطباعه، ومن ثم أجدني أتذكر ضحكاته والسهرات الجميلة التي كنا نعيشها.
وكل يوم أعتصر حزنًا للفراق الصعب الذي يدفعني للابتعاد وعدم مخالطة الناس؛ حتى لا يزيدون حزني حزنًا، لأن الفقدان صعب للغاية لا سيما إذا تجدَّدت الذكريات أجد دموعي تسيل دون توقف، وأهربُ من الناس حتى لا يسألني أحد من الناس عن سبب البكاء؛ لأن المشاعر البشرية ليست واحدة، ويوجد من سيسخر مني ويتهمني بعدم القدرة على مواجهة المواقف الصعبة.
ليس كل البشر يمتلكون القدرة على الثَّبات في مواجهة فقدان شخص عزيز؛ البعض يدَّعي أنه حزين، ولكن لا أجد دليلًا يكشف عن حزنه، ويوجد من يتفاخر بقدرته على تخطي هذه المواقف الإنسانية، ويعد ما أفعله ضعفًا مني.
يَجِبُ ألا يقيس إنسان مشاعره ودرجة حساسيته وعلاقته بشخص ما؛ لأن الله لم يخلق كل البشر على صورة واحدة، إذ يوجد من لديه القدرة على الثَّبات، ويوجد من تصدمه المواقف ولا يمكن أن يعبر عما يدور داخله.
لكنني أتحدث عن نفسي فقط وتركيبتي التي أرى أنني أتصدع في حالة فقدان عزيز، لأنني لا أنسى العشرة والمحبة التي ربطتني بإنسان طيب ويصعب تبديله بشخص آخر، حتى إنني أجد صعوبة أن أمشي في جنازته فعلًا لأنني سوف أنهار.
وأحيانًا يرفض عقلي خبر موت صديق، وربما أعتقد أنها مزحة من البعض بغرض تصدير حزنٍ لي حتى لا أتفاخر بصداقة هذا الإنسان الذي أراه نادرًا في كل شيء.
لكنني بعد مدة من الزمان أحاول الهروب من الذكريات، لكنها لا تموت بل كلما تذكرت موقفًا طيبًا لهذا الشخص تتجدَّد الأحزان، وما أقوله هنا حدث معي فعلًا بعد فقد مجموعة من الأشخاص على مدار مسيرتي في الحياة. مع غيابهم الجسدي فإنهم يعيشون معي.. رحم الله كل الأعزاء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.