خاطرة "حديث مع ليالي يناير".. خواطر حزينة

وها نحن في الأيام الأولى لهذا العام، بزوغ يناير المؤنس اسمه، البارد ليله، العائمة شمسه بين الغيوم الكاذبة، ها هي بكور أيامه تتمايل بجمالها أمام عيني، فتغادر الواحدة بعد الأخرى، ولم أحظَ بعد في البقاء مع إحداهن ولو على طرف جلبابها الثلجي لونه.

ولأن عزيمتي -في البقاء مع إحدى هذه الليالي- مفعمة بحماس البداية، لم يكن من السهل على ثالث لياليه أن تمضي دون أن أبقى في أحضانها، احتضنتني بين أحضانها الباردة والمظلمة بشدة، وأنا بين أحضانها رفعت رأسي وناظرت وجهها الذي كان يختفي تحت شعرها المسدول وكأنها عفريته من تلك العفاريت التي لطالما كانت تحكي لي عنهن جدتي حينما كنتُ صغيرًا.

بينما أن أطالع نحوها أفزعني صوتها المبحوح، وهي تقول: "يكاد أن ثمة كلام يقف على طرف لسانك !؟ هل أخبرتني عنه قبلما أرحل، قد لا تجد من يسمع عنك غيري؟!"

نطقت بنات شفاهي في تساؤل؛ لماذا أنتن -أيام يناير ولياليه- أشد بردًا وظلمة؟!

أليس في جوفكن ذرة من رحمة وعطف، نحو هؤلاء البؤساء والمشردين وهم يزفرون الأنات بين ناشئات الليل البارد وتنتحب البحة والكحة حلوقهم حتى تكاد أن تتشقق، ولا دواء لهم ولا مداوي، ويومًا بعد يوم تسوء أحوالهم حتى ينعدم صوتهم، فلا تكاد تسمع لهم سوى الهمس والخنافس التي تبيت بين أكوام ملابسهم النتنة.

- هراء يقوله بائس، يائس من الحياة، لم يكن ذات يومًا رجلًا، فغدا اليوم يصطنع دور البؤساء ولم يستطع أيضًا.

أيها الميؤوس منه، اليائس من هذا العالم، لماذا لا تكبت ثرثرتك داخل جسدك الشقي الذي لا يقوى غير أن يبدي ملامح الشقاء والبؤس لهذا العالم الذي غدا اليوم جميلًا، وهو يتناسى أمر أولئك الأشقياء التعساء الذين لا يليق بهم غير ويلات الشقاء المميت، ليموتوا من ويلها في مساكنهم، حيث الأكواخ والحجور القذرة، التي يتصاعد من بينها روائح الجيفة، التي تعكر صفو العابر جوارها.

ألا يليق به ولاء الموت، ويلُ لك كيف تجرؤ على أن تتحدث وتدافع عنهم أيها الأحمق؟ أتدري كان الأجدر بك أن تتحدث عن البدايات، عن آمالك وتطلعاتك وأهدافك لهذا العام الذي لتوه فتح في وجهك أبوابه، لكنك كما قلت لك سابقًا أنك شخص ميؤوس وبائس لا يملك شيئًا ولا يقوى على شيء غير الحديث عن البؤساء!؟

 -يكفي أيتها الليلة العفريتة، توقفي عن الحديث، يكفي هذا البرد الذي تكويني به، فليس لدي قوة لأحتمله وحديثك الساخر عني وعن البؤساء.

صدقيني لم أعد أطيقك ولا أطيق الحديث معك، لأنك متعجرفة كسلطان عربي، لا يأبه لما يتجرعه شعبه نتاج السلطة المستبدة، التي يتجرعون علقمها المرير، ويعيش حياته كأنه في جحيم، في حين يعيش الحكام والسلاطين في ترف ومجون وكأنهم في فرادس النعيم.

طعامهم مما لا عين رأت، ومساكنهم قصور من ذهب الأشقياء بنيت وعمرت، وأرصدتهم ملايين بعدد الشعوب وقد تزيد، في نعيم حياتهم ومن يقوى على أن يقاسمهم هذا النعيم، من يفكر أن يقاسمهم أو يزاحمهم يموت قبل أن يفكر، لذلك هم هكذا يحكمون بسياسات التنكيل، فلا صوت يعلو عليهم ولا فكر يعادي السلطة، حتى وجدنا الأوطان في سبات، لا صوت حر ولا فكر يفكر في المصير.

فـعن أي آمال وأهداف وتطلعات تعاتبني، لم يعد في هذه الأوطان متسع، لقد ضاق منها الفساد والكساد والبور والخراب.

فلم يعد للناس فيها من أمل غير أن يحيوا عامهم بسلام دون حرب ولا فزع، ولا هدف لهم غير أن تكبت أفواه البنادق كما تكبت أفواههم، أما عن تطلعاتهم ليس لهم تطلعات غير أن تزيد كمية الغذاء الذي تجود به عليهم المنظمات والمؤسسات الخيرية.

ولأكون صادقًا معك، ليس البؤساء وحدهم من يستحقون تلك الموتة، بل حتى هذه الشعوب تستحق ذاك الموت البشع لأنها لا تستحق الحياة، فلا هدف تحيا من أجله ولا تطلع تصبو إليه ولا أمل تعيش في سبيله.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة