لا أريدها شعرًا بل أريدها نثرًا منثورًا، الشعر تحكمه القوانين وتحكمه القوافي، مما يجعل منه حزمًا وضيقًا، تشعر وكأنه جلباب ضيق يؤذي صاحبه، يعلوه حزام خانق يسمى القافية ذلك الحزام الحابس للأنفاس، والكاتم للأصوات موصول بقيد آخر في الأسفل، ما يعوق حركة الجسد، الشعر لباس ليس بجيد، في حين أن النثر لباس فضفاض، وجلباب واسع يسع الجسم بأكمله، غير مبرز لأي مفاتن وغير معوِّق لأي حركة، يريح صاحبه ويجعله ضاحكًا، بشوشًا، وقورًا، راضيًا في قرارة نفسه.
هكذا أريدها نثرًا لا شعرًا، أريد أن أكتب عنها نثرًا، وأريد أن أشبهها بالنثر ذلك الجلباب الفضفاض، أعبر عما أريد دون قيد أو حزم، أريد أن أجعلها حرة، متسعة الصدر والبال، غير محبة لتلك النغمات والإيقاعات الصاخبة التي تملأ الشعر، بل محبة للأجراس الهادئة، والرنات الخافتة داخل النثر.
هكذا أنت -يا حبيبتي- نثر لا شعر، فضفاضة ثرثارة تحبين الضحك والبشاشة، غير محبة للقيود الشعرية، والأحزمة الموسيقية، بل محبة للانفتاح والاتساع كما عينيك المتسعتين، وثغرك المبتسم من بشاشة وجهك، ولين طالعك، وسماحة خلقك.
النثر أكبر اتساعاً من الشعر وألين بكثير من الشعر، النثر محيط لا ساحل له، والشعر جدول محصور بين دفتيه، الشعر متكلَّف فيه من الألفاظ والأخيلة الكثير، أما النثر فصادق إلى حد ما، ألفاظه دارجة وجمله يسيرة، الشعر لا يمَّسه إلا الموهوبون القادرون، والنثر هو لغة العامة والخاصة يقترب منه الفقير قبل الغني، وينهب منه القريب والبعيد.
هكذا أنتِ -يا جميلتي- غير متكلفة في لسانك ألفاظك وعباراتك، غير متكلفة في جوهرك: قلبك، وعلاقاتك، تقربين إليك كل بئيس، وتؤوين كل فزيع، يحبك كل الناس وينهلون من بحر عطاياك، ويسبحون على شاطئ محبتك.
الشعر أيُّها الميم قليل كلامه، كثير تأويله، يتفلسف فيه كل متغطرس في اللغة والأذواق، أضف إليه أنه لا يطول مجلسه ولا يمتد وقته، في حين أن النثر -وإن كان كثير الكلام إلا أن- معانيه واضحة وثابتة لا تحتمل الأوجه، أضف إليه أن مجلسه يطول وهذا ما نريد، فنحن نريد إطالة مجالستك وكثرة الكلام معك، كما فعل الكليم موسى عندما سأله الله عمَّا بيمينه فأسهب الإجابة، وأكثر الكلام، رغبةً وحبًّا في محاورة الله -عز وجل-، وها نحن كذلك نود لو ما تنقطع محادثاتنا أبدًا.
كوني يا حبيبتي، يا جميلتي، كوني نثرًا فالنثر هو الرجل في وقار، والمرأة في عفةٍ واحترام، النثر إنسان مبجل متواضع، يحمل كل معاني الحب والسلام، ولا تكوني شعراً فيرقص على طبلك الإمعة، وتأكل من مظهرك أعين السفهاء، ولا يستطيع الوصول إليك إلا كل مقتدر، بل كوني بسيطة باسطة مبسطة.
وإليك -يا عزيزتي- مثال لعله يوضح ما أقصد، ويبين ما أعني، فلو قلنا مثلا في وصفك -ولن نبلغ مده ولا نصيفه:
وَإِذَا ضَحِكْتَ فَأَنْتِ ... لَا قَمَرْ
هَـٰذَانِ في الدُّنْيَا هُمَا الضَّواءَانِ
وَإُذَا أَرَدتَ الشَّمْسَ تَجْلُو الظَّلَا
فَانْظُر إِلَىٰ ... تَرَىٰ العَينَانِ
مِصْبَاحُ نُورٍ فِي طَرِيقٍ كَاحِلٍ
تُهْدَىٰ بِهِ فِي المَسْيرٍ الرِّجْلانِ
وإِذَا أَرَدتَ الرِّيقَ حُلوًا فَابْتَعِثٔ
مِنٔ عَسْلِهَا أَذٔكَىٰ مِنَ الرُّمَّانِ
وَالصَّوتُ عَذبٌ تُطرَبِينَ الأُُذْنَ بِهْ
وَكَأنَّهُ الصَّدَّاحُ فِي الآذَانِ
... يَا مَن تَهتَدِي أَزهَارُهُ
مِن طِيبِ فَحوَىً مِنكِ فِي البُسٔتَانِ
وَرَحِيقُكِ الفَوَّاحُ يَجٔمَعُهُ النِّحَا
لُ إِلَى الخليَّة جُمَّعَ الرَّهْوَانِ
ثَغٔرٌ بَسِيمٌ دَائِمًا وَالعَينُ حَو
رَاءٌ كَحِيلٌ طَرفَهَا الغِزلَانِ
(بحر الكامل)
ولو دققتِ -أيُّها الغزال- النظر، وأعمقت الفكر واستجابت أذناك للأجراس والأوزان، ستجدين القيود قد أحبكت قبضتها، والقافية قد أكفتت ثوبها، وكشفت عن ساعدها لتجرجر الكلمات المموسقة خلفها، وتصنع ما يحلو لها من الأنغام، ستجدين أيضًا حلي اللفظ قد طغى على المعنى، والتكلف في المظهر قد فعل فعلته، بالإضافة إلى أن الحديث قصير لا يتعدى بضع دقائق.
ولو أردنا أن نعبر عمَّا سبق بك أيتها النثر الفضفاض لتبخترنا في حديثنا ولامسنا صمام الكلمات وتعمقنا في مياه المعاني في سهولة ويسر دون تكلف أو تصنع، كأن نقول مثلا:
"هي النور للدنيا لولاها أكحلت، في مقلتيها الشمس والقمر ضواءان لا يجاريهما ظلام، فسيوف شمسها تمزق لحمه، ورماح قمرها تفتت عظمه، نور يبتعث نورًا، كلماتها نور، أنفاسها نور، ملبسها نور، وطالعها نور، نظراتها برق يفترق الظلماء، هي الهدى وهي الثريا، هي المقصد والمبتغى، هي المصباح الوهاج في طريق القاصدين إلى كوكب الأزهار، حيث الحدائق الغناء.
يا فوز من حظى من نورها باقتباس، ويا فوز من جالسها فلا تمسُّه الظلمات، ويا لها من كرامة من همست له بابتسام فلا شيء يعدل همسها؛ فهي الشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، ضحوك سنها، تكشف عن أصناف اللؤلؤ المكنون في العقد المرصوص، يختبئ داخل ثغر بسيم لطيف لا يعرف العبث، فالبسمة ثم الضحكة كالحياة بعد الموت وكالشراب بعد الظمأ.
لا يجاري في مذاقه ما استلذته الأذواق، ولا يبلغ مبلغه ما حوته الأمعاء، عسلها نقي وريحه طيب ومذاقه طبّ لكل داء، هو الشفاء للأمراض وهو الطبيب للأسقام وهو الحبيب للأنام، وهو الخصيم بين النحل التي تتسارع لإنشاب حرب ضروس على جمعه، فيا له من محظوظ! ويا سعده من نحول! من يدركه الرقي، وتعليه الرتب، من ينال ذرة من ريحقها المختوم، وريحه المنسوم.
أما الصوت فعروس يوم الزفاف بل عذراء في خدرها، صوت حيّي، تبحث عنه وسط العصافير ويمكن أن تجده بين الصداحين، خافت دوي، خافت في السؤال، خفي في الجواب، دوي عند الحق، وأدوى في الإنصاف، هو النقي للآذان والدواء لأسقامها، يسمعه الصم قبل المعافين، ويتنافس فيه المطربون، وينشده المحبون، أتمنى أن أحظى بمقطوعة له يتغنى بقول الشاعر:
فَشَارِبُ الخَمرِ يَصحُو بَعدَ سَكرَتِهِ
وَشَارِبُ الُحُبِّ طُولَ العُمرِ سَكرَانُ
وما للعينين من وقع على الضالين بالهدى، وما للحوراء من ثغر طول الدهر لا يقطع البسم، تغار من كحل المقلتين الظباء، رونقهما بائن، وحمرة الوجنتين للرائي فادحة، والطرف من اسوداده كاحل، فيا من نلت شرفًا بنظرة، احكِ لنا عن راحة، وعن سعد، حظيت به طول العمر والأمد".
اكثررر من روعه
أشكرك
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.